الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 «نحن لم نعلن الحرب ضد العراق طمعا في خيراته، انما اعلنا الحرب من اجل الشعب العراقي حتى تعود اليه حريته، وينعم بالاستقرار الذي فقده لدى الرئيس صدام حسين. نحن نحترم معتقدات هذا البلد العريق، ونحترم تاريخه الطويل، لذا سنخوض الحرب من اجله حتى ينعم بحياة افضل». العبارة الآنفة الذكر قالها الرئيس الاميركي جورج بوش قبيل انطلاق صواريخ كروز من احدى السفن العسكرية المتواجدة في الخليج ضد اهداف عراقية. وكعادة الرئيس بوش في استخدام الفاظ موحية وذات دلالات انسانية يلجأ من جديد الى استخدامها للهروب من قول الحقيقة التي لم تعد خافية على احد، وان اختبأ وراء انسانيته المزعومة، وعاطفته التي يدعيها. واللافت ان الرئيس بوش يتقمص اليوم ثوب المحامي المخلص لقضية لا تحتمل التأجيل والمماطلة في البت بها، والمرافعة عنها، معتقدا انه مفوض الضمير العالمي لنصرة العراقيين وحمايتهم من السلطة الحاكمة. لكن ما فاته هو ان اللعب بالحقائق على هذا النحو المشين لا يمنع البتة ان تنتفض بقايا الشعور بالعاطفة الانسانية لدى الضمير العالمي ازاء هذا التلاعب بالكلمات، والسخرية من العقول بمثل هذا التباين الصارخ بين الكلمة المحلاة بالسكر وبين القذيفة التي تدك العراق وتنشر الموت في مدنه وقراه. فصواريخ كروز لن تحمل ورودا لاطفال العراق وطائرات اف 117 لن تنزل طرودا غذائية على الشعب الذي ارهقته سنوات الحصار واضعفت من قوته وسلبته الراحة والشعور بالامان. كما ان اميركا تعلم قبل غيرها ان عشرات الصواريخ بل الالاف منها لن تكفي حتى تنهي هذه الحرب الحمقاء التي ترد على انسانية الفاظ بوش بوحشية تتناسب مع الرغبة الآثمة في إلحاق الاذى بالعراق ارضا وشعبا وموارد. ولن تكفى الاف الجمل الناعمة، ولا اطنان الكلمات التي يرشقنا بها بوش وكوندوليزا رايس وجورج تينيت، ورامسفيلد، وكولن باول في اقناعنا ولو للحظة من الزمن الحزين بان ما يجري على هذه الارض العزيزة هو لمصلحة الشعب العراقي!! ان الحرب لا تخلف الا الدمار، ولا تحصد الا الموت ولا تزرع الا الحقد الاسود، ولا تشيع الا الاحباط وخيبة الفأل والرجاء. واي رجاء يأتي ممن ضربوا بمباديء السيادة الدولية، وحق الشعوب في العيش الامن واخترقوا مباديء حقوق الانسان، واشعلوا النار في الارض والممتلكات، ولوثوا مياه دجلة والفرات، وولغوا في الدم الطاهر!! ان ما نود ان يعلمه الرئيس الاوحد القابع هناك خلف جدران البيت الابيض ان الايام دول، وان نهاية العالم لن يستطيع ان يقررها حاكم مهما امتلك من اسباب القوة المادية المنفلتة من عقالها على غير هدى او بصيرة. وكم ردت الاحداث على توقعات نظرائه من المعتدين على سيادة الدول الاخرى، ولقنتهم دروسا عملية في الفرق الشاسع بين التخطيط النظري للمعارك والنزول الميداني والمواجهة السافرة. فما كل من اعتمد على قوة جيوشه فاز وانتصر وكسب الحرب!! وفي تجربة فيتنام شاهد ودليل على ما تفعله الارادة الحية في اصحابها حين ينتفضون على الظلم، وهو الامر الذي يبدو ان الرئيس جورج بوش الابن يصر على تجاهله وانكاره. ولقد علمت سنوات الحصار الظالم شعب العراق الصبر والمجالدة، ولم يعد ثمة ما يخشون على فقده بعد ذلك الترويض المضني الذي كابدوه منذ عام 1991 حتى اليوم. فأي شيء سيمنع هذا الشعب الصامد من ان يقدم اروع دروس التضحية والفداء لاجل الوطن والكرامة والحرية!! واي قوة تلك ستحجز ما بين المظلوم وبين مواجهة الغطرسة في اوج بغيها وسطوتها وطغيانها!! لن يمنع العراقيين مانع من خوض المعركة بكل ما يملكون من طاقة ولن يجبرهم على الركوع تخويف او ترهيب. ان مصائر الشعوب لا يقررها تدخل اجنبي ولا تمليها ارادة فوقية قادمة من وراء المحيط. الامر الذي يجب ان تعلمه الشعوب المعتدية ان كان رؤساؤها يصرون على المكابرة والانكار.