الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 من ظواهر زماننا الرديء، ومحدثاته اللغوية، لفظ «المرتزقة»، جمع «مرتزِق» (بكسر الزاي)، وهم الجند الذين يحاربون في جيش على سبيل الارتزاق، وغالبا ما يكونون من الغرباء. وظاهرة المحارب «المرتزق» قديمة، ولكنها تفاقمت في العصر الحديث، وبخاصة في افريقيا، على أيدي فلول الجيوش الاستعمارية والمغامرين الخارجين على القوانين والقيم الانسانية. على ان أعجب وأفظع ما طفح على وجه الحياة المعاصرة، هو اتساع ظاهرة «المرتزقة» وتجاوزها دائرة الأفراد والعصابات الى الدول، وهو ما يتجلى في أخبار العروض والوعود والمساومات، لرفع ثمن اشتراك هذه الدولة او تلك في العدوان على العراق، وغزوه، وتدمير منجزات أجياله، واستباحة مقدراته. و«المرتزق» اسم فاعل من الفعل «ارتزق». ويستعمل في معنيين: نقول في أولهما: ارتزق الجند والعمال، بمعنى: أخذوا ارزاقهم. ونقول في ثانيهما: ارتزق الرجل ربه، بمعنى: طلب منه الرزق. والفعل المجرد هو: رزق يرزق رزقا «بفتح راء المصدر»، ومعناه: اوصل اليه رزقا، أو اعطاه رزقا. نقول: رزقه الله الصحة والغنى، ورزقه ذرية صالحة. ومن ذلك في التنزيل العزيز: «ورزقكم من الطيبات»، و«والله يرزق من يشاء بغير حساب». وفي الأقوال المأثورة: «اذا ارزقك الله مغرفة، فلا تحرق يدك»، اي: استعمل ما أعطاك الله من قدرات، وأفد مما وهبك من امكانيات. والشاعر الحكيم يقول: ما ضيع الله خلقا فأتقى ان اضيعا الله يرزق من لا يطيعه والمطيعا وينسب الى الامام الشافعي الشعر القائل: ان امرأ رزق اليسار فلم يصب حمدا ولا أجرا لغير موفق ومن التعابير المعروفة قولنا: «فلان حي يرزق». ومعناه: فلان على قيد الحياة، او صحيح معافى. ويزاد الفعل، فيقال: «ارتزق»، كما يقال: «استرزق» بمعنى: سعى في طلب الرزق. واسترزق الرجل الله، أي طلب من الله الرزق. و«الرازق»: اسم الفاعل، وهو من أسماء الله الحسنى، ومثله «الرزاق». وفي القرآن الكريم: «وارزقنا وأنت خير الرازقين» و«ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين». واسم المفعول: «مرزوق»، ومن معانيه: محظوظ في الرزق. يقال: فلان رجل مرزوق، اي محظوظ برزق واسع أينما حل أو عمل. ومن ذلك قول الشاعر: سبحان من أنزل الأشياء منزلها وصير الناس مرزوقا ومألوقا فعاقل فطن أعيت مذاهبه وجاهل أحمق تلقاه مرزوقا و«الرزق» ـ وجمعه «الأرزاق» ـ هو اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما ينتفع به، كالغذاء والمطر. مصداق ذلك في القرآن الكريم: «وما من دابة في الارض الا على الله رزقها» «وما انزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها». ومن معاني «الرزق» أيضا: العطاء، او العطاء الجاري. يقال: كم رزقك في الشهر؟ اي كم راتبك؟ ويكثر ورود «الرزق» في الأمثال، ومن ذلك قولهم: «رزق الله لا كدّك»، ومعناه: ما وصلت اليه من نعمة هو من فضل الله وليس نتيجة حتمية لسعيك وجهدك. ويقول مثل آخر: «ياطالب الرزق، ان الرزق يطلبك» وفي هذا المعنى يقول الشاعر: المرء يسعى والرزق يطلبه وربما اختلفا في السعي والطلب حتى اذا قدر الرحمن جمعهما للاتفاق اتاك الرزق عن كثب وهناك مثل طريف ساخر يقول: «لو بلغ الرزق فاه، لتولاه قفاه»، ومعناه: انه ليس له نصيب من الرزق حتى ان الرزق اذا اقترب من فمه، فإنه سرعان ما يبتعد ويتحول الى قفاه، كأنه يفر منه. وخلاصة الأمثال والأقوال، ان «الرزق» مقدر ومكتوب، لكن يجب السعي اليه وطلبه، مع اليقين بما قسم الله، كما في قول الشاعر: وخط لكل امريء رزقه فكل امريء آكل ما رزق