الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 أي امرأة في العالم تحب الاستقرار، ترتب بيتها بطريقة خاصة ترفض تغييرها. ويقولون ان المرأة «محافظة» بطبيعتها، ومعنى هذا ان الرجل قد يكون يساراً أو وسطاً، أما المرأة فموقفها واضح. ولكن الاطلاق غير صحيح، لابد أن هناك امرأة تحب تغيير البيت ونمط الحياة. ولحظي ـ ولا أريد أن أصفه ـ زوجتي من هذا النوع. عندما تزوجنا رتبت شقتي بجهد كبير. وما ان استرحنا وبدأنا الحياة حتى قالت لي: أليست الشقة بعيدة عن البلد؟ وبعيدة عن الناس؟ وبسرعة قررنا ترك حي المعادي الهاديء الى حي المهندسين حيث بدأ الناس يزحفون وسارعت كأي «باشمهندس» بقياس المساحات وتصميم الديكور. وخلال عدة شهور كنا في الشقة الجديدة. وقلت لها: أنا رجل من أصول قروية، لذلك أنا أريد أن أموت هنا، في هذا المكان، لا طاقة لي بالانتقال منه. وصدقت على كلامي في حماس. وفي البناية المقابلة كانت هناك شقة أكبر، وكانت فكرة الانتقال أيسر. وسارعت بممارسة هوايتها في تصميم الديكور والنجارة والحدادة والبلاط وغير ذلك مما لا أعرفه. وعشنا في هذه الشقة سنوات. وبدا لي انها تلمح للانتقال فقاومت الفكرة بشدة. ولذلك قررت تجديد البيت وكان ذلك أفظع من الانتقال. واضطررت ان أعيش في فندق شهراً أو أكثر. ثم بعد ذلك كان الانتقال الأخير. والأخير هنا لها معان مختلفة، لكنني أقصد اننا انتقلنا إلى مدينة الشيخ زايد في بداية مدينة 6 اكتوبر. ومن الطريف انني كنت في هذه المرة صاحب الفكرة، فالمدينة هادئة وجميلة وبعيدة عن ضجة المهندسين وتلوث وسط المدينة. والأطرف انها قاومت الانتقال فترة. لكنها سرعان ما استغرقت في الديكور والنجارة والحدادة وغير ذلك، أضف الى ذلك حديقة صغيرة زرعت فيها حتى ما لا يمكن زراعته. وبدا ان الانتقال في هذه المرة كان لآخر مرة. وبدا انني استرحت من هواية بناية بيوت جديدة. لكنها جاءت اليّ مع الاولاد والأحفاد. وفهمت ان المطلوب خطير، وتمنيت السلامة. قالوا لي: نريد بناء باب للبيت! وأصابتني دهشة كبيرة، فنحن لدينا ثلاثة أبواب لا باب واحد، ولا أذكر انه كان لنا من قبل أكثر من باب، ربما كان غير ذلك في أيام الطفولة وفي البيوت الريفية. ولكن كل هؤلاء لا علاقة لهم بأيام طفولتي. وبنينا داخل أسوار مجموعة سكنية لها مداخل وأمن وما الى ذلك. ولها بالطبع أبواب تذهب بك الى داخل المنطقة ثم تخرج من داخل الأسوار الى الدنيا الواسعة. الآن يريدون ـ أو نريد ـ كما قالوا بناء باب خاص بنا يخرج بنا الى العالم الخارجي. وبدا انهم يستخدمون كراهيتي للأسوار. وأعجبتني الفكرة. لكننا عندما اشترينا هذا المكان وقعنا على عقد يلزمنا بألا نغير شيئاً في خارج المباني. وكنا متحمسين لذلك حتى يكون للحي سماته المعمارية. ودارت مناقشات طويلة حول شرعية هذا الاتفاق انتهت الى ان الشرعية مسألة شكلية. وكانت هزيمة لي، فلقد ظللت طول عمري أبحث عن الشرعية، وها أنا أتخلى عنها بكل يسر. وما المطلوب يا سادة؟ المطلوب أن تذهب الى مجلس اتحاد الملاك وتسألهم الموافقة على بناء باب لنا. ومنذ اللحظة الأولى أطلقت على الباب المأمول اسم «الباب العاجي» تيمناً بمسرحية انجليزية نهج فيها مؤلفها نهج مؤلفينا الذين يتناولون التاريخ من أبي خليل القباني الى توفيق الحكيم الى الفريد فرج وسعد الله ونوس وعزالدين المدني، فلقد بدأها بملك يلقي بنصائحه الى ولي عهده الطفل، ويقول له ان هذا القصر الكبير من حقه إلا هذا الباب العاجي. وان عليه ألا يقترب منه أو يمسه وإلا حدث له ما تسوء عقباه، وبعد هذا المشهد الاستهلالي السريع، نجد الأمير الصغير وقد أصبح شاباً وتولى الحكم لتوه بعد وفاة أبيه. وكان أول ما فكر فيه هو الباب العاجي. وناوشه الفضول في تخيل ما وراءه. وهكذا الانسان يسعى الى كل ما هو ممنوع عليه. وفعلاً قرر الأمير أو الملك الجديد على الأصح ان يدخل إلى الباب العاجي ليستمتع بالمعرفة المحرمة. ويسير الملك في طريق لا شيء فيه سوى التراب والأوساخ. ويستمر وقتاً طويلاً ليجد نفسه وقد خرج الى الشارع، ولكن أصبحت ثيابه متسخة، لم يكن هناك أي شيء وراء الباب العاجي! ودار الملك ليصل الى باب قصره ليعود الى حيث كان، ولكن الحرس يقف له، يرفض دخوله. أنا الملك. ولكن الملك بالداخل. ولم يخرج منذ أن تولى. والملك لا يمكن أن يكون له هذه الثياب وهذا الوسخ المغبر. ويحاول الملك المستحيل، لكنه يفشل في اثبات انه الملك. فالشرعية إذن تتطلب أن يجلس على كرسيه يسمع أوامر الأب الذي مات، ويقتل داخله الفضول للمعرفة. ولما كان ذلك مستحيلاً أو على الأقل صعباً، ستظل الشرعية في اختبار دائم بين التخلف والتقدم. وحملت القضية الى مجلس ادارة اتحاد الملاك وهو يتكون من مجموعة طيبة من السكان بعضهم عالي الثقافة، وبعضهم عالي الخبرة، وكلهم في مستوى اجتماعي متميز. وعندما يجتمعون يكونون عادة في قمة ثقل الظن، لكنهم كأفراد في غاية التسامح والمرح. عرضت عليهم الرغبة في إنشاء باب يوفر عليّ وعلى ضيوفي دخول الأسوار والسير لمسافات طويلة. وتشنج الأعضاء، فلو تركنا كل شخص يفعل ما يشاء لانقلبت الأمور إلى فوضى. وافقت بشدة، ولكننا لنحقق ذلك علينا أن نرى إذا كان ما يطلبه منطقياً أم لا. وجميعهم فرادى قالوا إن طلبي منطقي ولكن كمجلس إدارة رفضوا الفكرة. وأزعجني هذا التناقض بين العام والخاص. وقال لي من لا أذكر: ما بك أليست الدنيا كلها هكذا، حتى الدول تعلن ما لا تبطن. والحكام يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. هكذا أصبحت الدنيا الآن. أو على الأصح كانت الدنيا دائماً هكذا. وقررنا أن نبني الباب العاجي. وبالطبع لم يكن عاجياً ليس فقط لأننا ضد صيد الفيلة، ولكن لأن الأبواب لا تكون عاجية! ووضعنا خطة محكمة كأننا نعلن حرباً. جاء من أخذ القياس، وصنعنا الباب بعيداً، وأتينا بالبنائين ليهدموا ويبنوا ليلاً، ولم يأخذ الأمر أكثر من ساعات قليلة لم ينتبه فيه أحد للأمر. وكنا في قمة السعادة عندما ظهر فجأة أحد أعضاء مجلس الإدارة، ذابت الابتسامات، وتوقعنا الأزمة، تأمل الباب من كافة نواحيه، وقطب جبينه: لو قلتم لي لأتيت لكم بحداد أفضل من هذا!! وبعده أتى آخر تأمل الباب أيضاً ثم قال: إذا أردتم أن تضعوا جهاز إنذار فلديّ شخص ممتاز! وأتى الثالث بمهندس الإضاءة الخاص بالحي ليضع لمبات متسقة مع ما في الحي. أما الكارثة فكانت في حضور رئيس مجلس الإدارة الذي طلب إقامة حفلة بمناسبة افتتاح الباب. واجتمع مجلس الإدارة وأدان بناء الباب، وطالبنا بإزالته، وبهذه المناسبة سنقيم حفلة وعليكم أن تأتوا من الباب العاجي!