الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 بعد التطورات الدراماتيكية المثيرة في الموضوعين الفلسطيني والعراقي، اصبح يخيل للكثيرين من الناس أن أول ما يحتاجه العرب، هو الأمن العسكري الذي يتيح لهم انتاج أسلحة متطورة وبناء استراتيجيات حربية فعالة تساعداهم على درء الهجمات الخارجية التي تستهدف اختراق حدودهم واحتلال اوطانهم. فهل هذا صحيح؟ أم أن الأكثر أهمية للعرب، يتمثل بالأمن العلمي والتكنولوجي الذي يوفر لهم القدرة على تشييد صناعات ثقيلة متطورة وتكنولوجيا محلية متقدمة؟ ام تراهم أكثر حاجة الى بحبوحة اقتصادية ومالية تجعل في متناولهم موارد وسيولات نقدية تتيح لهم شراء كل ما يلزم لتحقيق التقدم لأوطانهم والعيش الكريم لابنائهم؟ ام ان الامن الغذائي هو الاهم لأنه يجعل بالامكان اطعام مئات الملايين من الأفواه المنتشرة على امتداد حدودهم الواسعة من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي؟ لا شك ان الأجوبة على هذه الاسئلة تتفاوت تبعا لتباين الآراء واختلاف وجهات النظر. واعتقد ان اشد ما نحن بحاجة اليه هو الامن الاخلاقي الذي يقود الى الامن السياسي. وقبل ان اتصدى لهذه الناحية، أود ان استعرض بعض الافكار الخاصة بمفهوم الأمن، والواردة في كتاب «الابعاد الفكرية والعلمية ـ التقنية للصراع العربي الاسرائيلي» الذي صدر مؤخرا في دمشق للباحث السوري الدكتور خلف الجراد، الذي يبين لنا في البداية أهمية الأمن القومي بوصفه موضوعا يشغل بال الامم والحكومات، قويّها وضعيفها على السواء. وهو بالنسبة الى العرب، يختلط مع الأمن القطري، مثيراً مشكلة غاية في الخطورة تتصل بالعلاقة الضبابية الغائمة بين القطرية والقومية. ويرى المؤلف ان الفكر السياسي العربي لم يستطع حتى اليوم ان يصمم صياغة واضحة ومحددة لمفهوم الأمن القومي الذي يعرفه بأنه يمثل «قدرة الامة العربية مجتمعة على التصدي لكل التحديات والأخطار الداخلية والخارجية التي تواجهها، والتغلب عليها، وصيانة وحدة واستقلال هذه الامة وزيادة متانتها العسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، في وجه التحديات التي قد تظهر في المستقبل». ويبين الدكتور الجراد ان المشكلة بالنسبة لنا تتعلق بكيفية تحويل الأمن القومي من رغبة الى سياسات واستراتيجيات وخطط وبرامج عملية. كما ان هناك معضلة التناقض بين قومية التهديدات والتحديات المفروضة على العرب جميعا، وبين انفرادية كل قطر عربي برسم سياسته الاقليمية والعربية والدولية، وتنفيذها على مستواه الخاص. وهذه الازدواجية تتجاهل حقيقة ان من غير الممكن تحقيق الامن لدولة عربية واحدة بمعزل عن أمن الدول العربية الاخرى، ويشير المؤلف الى تقرير مركز دراسات الوحدة العربية الذي يبين بالحرف الواحد ان جميع الاقطار العربية، غنيها وفقيرها، كبيرها وصغيرها، تواجه اما أمة بقاء، أو بقاء أزمة، اذا استمر واقع التجزئة الراهن». ويحدد الدكتور جراد بعض اهم التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، وهي: أ ـ الكيان الصهيوني. ب ـ عدم الاستقرار الداخلي. ج ـ الخلافات العربية. د ـ وجود اغلبية من الحكومات المرتبطة بالقوى الاجنبية. هـ ـ التبعية العربية للاقتصاد العالمي. وـ تباطؤ النهوض العلمي والتقني في الانتاج والخدمات. ز ـ هروب رؤوس الاموال العربية وتوظيفها خارج الوطن العربي. ح ـ تخلخل الأمن الغذائي العربي. ط ـ الهجرة من الأرياف الى المدن. ي ـ هجرة الادمغة الى الدول الأجنبية. ونعود الآن الى النقطة الأساسية في هذا المقال، وتتعلق بمواضع الضعف الحقيقية في حياتنا العربية. ونحن نرى كما اسلفنا، ان الأمن الحقيقي الذي نحتاجه اكثر من غيره هو الأمن الاخلاقي.. فاذا تحقق هذا الأمن، اصبح بامكاننا ان نتغلب على جميع التحديات التي تواجه أمتنا، بما فيها تلك التي اتى على ذكرها الدكتور خلف الجراد، في كتابه الذي سبق ان اشرنا اليه، فعندما تكون هناك قيم وتضحية ونزاهة في السلوك اليومي للمواطنين، وفي التعامل السياسي للنخب، تتحقق ايجابيات كثيرة لا حدود لها، فعلى الصعيد الشعبي يتحسن الاداء في جميع المجالات الاقتصادية والعلمية والتربوية والثقافية والقضائية وغيرها. أما في المجال السياسي فان النتيجة تكون اوضح وأعظم، لأن الاستقامة في العمل السياسي تقود الى تقدم الوطن بصورة جوهرية والى تطوير جميع القطاعات في الدولة. والأهم من ذلك فانها يمكن ان تسفر عن تحقيق الديمقراطية. اذ من المعروف ان اكبر عائق يحول دون تحقيقها، هو تمسك بعض النخب والقيادات بامتيازاتها ومصالحها الخاصة والاستثناءات التي تحصل عليها. فاذا توافرت النية السليمة والسلوك الاخلاقي، اصبحت بعض النخب مستعدة للتخلي عن امتيازاتها و«رزقها غير الشرعي»، وبالتالي السماح بالديمقراطية السياسية التي تفتح الابواب امام دخول العرب ساحة الحضارة الحديثة، اي ان القيم التي يمكن ان تجعل الزعامات تترك القمم العالية التي صعدت اليها، وتنزل الى مستويات الجماهير وتتجاوب مع مصالحها. وهنا نصل الى محطة هامة في مقالنا، وهي محطة الامن الديمقراطي الذي بدونه يستحيل ان تقوم للعرب قائمة، او ان يصبح لهم مكانة محترمة تحت شمس حضارة القرن الحادي والعشرين. نخلص من كل ما سبق، الى ان الامن الحقيقي والجوهري الذي يحتاجه العرب اولا، هو الامن الخلاقي والقيمي الذي يمكن ان يوصلنا الى الامن الديمقراطي. والمقصود به توافر الحد الادنى من الحرية التي تكفل تحقيق ديمقراطية سياسية حقيقية. وهذه من شأنها ان تفضي الى تقدم عام في جميع المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية والتربوية والثقافية. والى القضاء على أكبر قدر ممكن من مظاهر الظلم والفساد والتسيب. واخيرا اقول: اذا كانت كرامتنا مهدورة، وحدودنا مخترقة، وثقافتنا موجهة، واقتصادنا مترنح، فان الحل الذي يكفل عودة امورنا الى نصابها الطبيعي ومسارها المطلوب، لا يتجلى في توفير المزيد من الطائرات والصواريخ والدبابات والمعدات العسكرية الاخرى ـ وان كانت هذه لازمة من حيث المبدأ ـ وانما يكمن في توفير المزيد من الاخلاق والحرية. وهو الأهم. ـ كاتب سوري