الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 حرب اليوم امتداد لحرب الأمس. والحديث ليس عن اسطورة عائلية تنحصر في دائرة آل بوش مؤداها انه كان على رأس اجندة «الابن البار» عندما تولى السلطة استكمال مهمة بدأها الأب. فليس هكذا، وعلى هذا النحو الساذج، ترسم استراتيجيات وسياسات دولة عظمى. الحديث هو عن «اسرائيل الكبرى» كمشروع ثابت تتبناه قوة خفية وتدفع به في دهاليز السلطة الاميركية عبر نفوذها المتنامي في البيت الابيض ووزارة الدفاع والكونغرس. ويبقى الرئيس كمجرد اداة تنفيذية في الواجهة. التحالف الصهيوني مع ما يطلق عليه «اليمين المسيحي المتطرف» ظل على الدوام ذا وجود نافذ في مؤسسات السلطة الاميركية لكنه مع تولي الرئيس بوش منصبه الرئاسي ازدادت قوة هذا «اللوبي».. وبعد «احداث سبتمبر» تضاعف نفوذه إلى ذروة لم يبلغها من قبل في اي عهد بحيث بات القوة الخفية الاساسية التي تقرر توجهات الادارة. وعلى صعيد الاداء العملي اليومي فإن التوجيهات تصل إلى الرئيس عبر ثلاثي يتربع على قمة وزارة الدفاع: الوزير رامسفيلد ونائبه فولفتز ومستشاره بيرل. الاول يمثل اليمين المسيحي والآخران يهوديان يمثلان الحركة الصهيونية. من هذا المنظور فقط نفهم لماذا تكون حرب بوش الابن اليوم على العراق امتدادا لحرب الخليج في عام 1991. السبب المباشر لإشعال حرب الخليج لم يكن بالطبع وضع مشروع اسرائيل الكبرى موضع التطبيق لكن ثبت لاحقا ان التحالف الصهيوني المسيحي رأى في هذه الحرب فرصة نادرا ما يجود التاريخ بمثلها لتدمير دولة عربية عملاقة من اجل تدشين عهد جديد في الشرق الاوسط تستسلم فيه الامة العربية نهائياً لحقيقة ان اسرائيل هي القوة الاقليمية المتفوقة التي ينبغي الاعتراف الجماعي بها.. لكن هذه الخطة احبطها «الخطر» الشيعي. فقد اصدر الرئيس بوش الاب إلى القوات الاميركية الزاحفة على الارض العراقية اوامر عاجلة بالتوقف ومن ثم الانسحاب عندما ظهرت بوادر قيام دولة شيعية في جنوب العراق. غير ان مشروع كبح جماح العراق نهائياً كخطوة اولى نحو تطبيق مشروع اسرائيل الكبرى لم يوضع على الرف. بقي المشروع ساري المفعول لكن تغير اسلوب التطبيق من نهج حربي إلى نهج سلمي عن طريق ابقاء نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق بواسطة مجلس الامن الدولي إلى الابد حتى لا تقوم لهذه الدولة العربية الكبرى قائمة. لكن مع قرب نهاية عقد التسعينيات اخذ جدار الحصار الاقتصادي على العراق يتداعى. ورويدا رويدا بدأت وفود تجارية من بعض الدول تتوافد على بغداد متحدية الحصار.. واتخذ الامر منحى اخطر عندما اخذ مطار بغداد يستقبل وفودا اجنبية من هيئات اوروبية واميركية وآسيوية جاءت في زيارات سياسية مع اجل اظهار التضامن مع العراق. ومع تنامي هذا التحدي قررت الولايات المتحدة تحت ادارة بيل كلينتون ان تتحرك لتثبيت نظام العقوبات بأسلوب مختلف. مشروع «برنامج النفط مقابل الغذاء» كان الحيلة الأميركية الأولى للرد على التذمر الدولي المتنامي ضد نظام العقوبات المفروض على العراق. وكان هذا المشروع يقضي بالسماح للسلطات العراقية بتصدير نفط خام بمعدل انتاجي محدد سلفا واستخدام العائد المالي لاستيراد سلع أساسية كالأغذية والأدوية وقطع الغيار. وبمساندة من القوى الدولية الأخرى ـ فرنسا وروسيا والصين ـ أجيز المشروع على صعيد مجلس الأمن الدولي على ان يراجع كل ستة أشهر. وربما كان هذا المشروع خطوة ايجابية عند إجازته لكن على صعيد التطبيق العملي اتضح ان الولايات المتحدة كانت تضمر لا مخادعة العراق وحده وانما ايضا مخادعة القوى الدولية الأخرى والأمم المتحدة. ففي داخل اللجنة الدولية المكلفة بالاشراف العملي على البرنامج كان المندوب الأميركي يعرقل (باستخدام الفيتو) الطلبات السلعية العراقية متعللا من حين لآخر بأن هذه السلعة أو تلك تصلح «لاستخدام مزدوج». فبعض الأدوية مثلا تصلح بحكم تركيبتها الكيماوية كمادة قابلة للتصنيع كسلاح كيماوي. ومع مرور الزمن انفضحت النوايا الأميركية الخبيثة تماما من وراء «برنامج النفط مقابل الغذاء»، خاصة وأنه سبق ذلك انفضاح اللجنة الدولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق تحت رئيسيها المتتابعين، رولف إيكيوس ووليام بتلر. فقد ثبت ان فرق التفتيش التابعة للجنة كانت تعمل ككوادر استخباراتية لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد الاسرائيلي، هذه القصة التي كشف اسرارها أحد كبار المفتشين، الأميركي سكوت ريتر، أولاً على هيئة تقرير رسمي وثانيا على هيئة كتاب كامل. والعجيب في الأمر انه اكتفى لاحقا بتغيير التركيبة العضوية للجنة التفتيش ورئيسها.. فلم يأمر الأمين العام للأمم المتحدة باجراء تحقيق مع اعضاد فرق التفتيش ورئيسهم. وبعد ذلك كان على واشنطن ان تفكر في حيلة جديدة لابقاء نظام العقوبات. لكن بانقضاء عقد التسعينيات بدأت حركة التمرد الدولي الثلاثي ـ فرنسا وروسيا والصين ـ على الولايات المتحدة.