الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 ليس من قبيل المبالغة في التحليل القول بأن الهاجس النفطي ما برح يتصدر العوامل التي تصوغ، ومن ثم تحرك أجندة السياسة الأميركية ـ عند مستواها الاستراتيجي ـ بمعنى المصالح القومية العليا ـ يستوي في ذلك مستوى الداخل الذي يتعلق بآراء المواطن دافع الضرائب وصاحب الصوت، الحاسم أحياناً ـ في مصير الكونغرس أو الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض، وأيضاً مستوى الخارج الذي يتصل بدول أميركا في العالم وبعلاقاتها الدولية وآفاق وديناميات حركتها في الأجلين القصير والمتوسط.السنوات الثلاث الأولى من القرن الحالي شهدت وما زالت تشهد مدى أهمية، بل محورية هذا الهاجس النفطي في مضمار السياسة الأميركية على الوجه الموجز التالي: ـ أولاً في سنة 2001 حيث أعلن الرئيس بوش في مستهل الربيع من ذلك العام ـ 19 مايو 2001 على وجه التحديد أهم معالم سياسته النفطية قائلاً بالحرف: ـ إن زيادة اعتمادنا على أي مصدر وحيد من مصادر الطاقة، لا سيما إذا كان هذا المصدر أجنبياً (بمعنى أجنبياً من خارج الحدود) أمر يتركنا منكشفين أمام صدمات الأسعار وتعطيل تدفق الإمدادات بل قد نتعرض إلى عمليات من الابتزاز وذلك أسوأ الاحتمالات. في هذا السياق مضى الرئيس الأميركي مؤكداً على الأهمية الحيوية لزيادة الإنتاج النفطي من مصادر متنوعة وفي مواقع شتى من خريطة العالم. كان في هذا التأكيد ما يشير ضمناً إلى أهمية تنويع مصادر النفط بحيث يقلّ الاعتماد بالذات على مواقع النفط في الشرق الأوسط. ــ ثانياً وبعد عام كامل من إعلان الرئيس بوش شهد الكرملين الروسي ـ في مايو من عام 2002، اجتماع قمة ضم كلاً من بوش وفلاديمير بوتين الرئيس الروسي. وفي البيان الختامي المشترك أعلن الرئيسان عزمهما على العمل سوياً من أجل تخفيف عوامل التذبذب في أسواق الطاقة العالمية من جهة ومن أجل دعم الاستثمارات الموظفة في صناعة النفط الروسية من جهة أخرى. بين موسكو وهيوستون وفي أعقاب هذا الإعلان تحولت بؤرة الاهتمام من موسكو إلى هيوستون ـ عاصمة النفط في أميركا كما قد تسميها حيث عقدت أول قمة على الإطلاق بين أكبر مسئولين في البلدين عن صناعة واقتصادات النفط وأسفرت هذه القمة النفطية عن تشكيل فريق عمل خاص معني بالتعاون في مجال الطاقة بين البلدين. ــ ثالثاً يأتي عام 2003 الحالي لتشهد الفترة الراهنة استعدادات كانت مقررة سلفاً لعقد قمة الطاقة الثانية في موسكو التي تستهدف توطيد تلك الروابط التي ما برحت غضة الجذور بين البلدين ولا سيما في مجالي النفط والغاز الطبيعي. لكن الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي جاءت لتشهد ـ كما يعلم الجميع ـ تطورات الأمور التي تدفع إلى شن الحرب على العراق، برخصة من مجلس الأمن الدولي حيث تتمتع روسيا بحق النقض كعضو دائم أو بغير رخصة من المجلس بعد أن انضمت روسيا إلى المعسكر الأوروبي الرسمي المؤلف أساساً من فرنسا وألمانيا في معارضة شن الحرب خاصة وأن العراق ما زال يثبت تعاوناً إيجابياً من جانبه مع هيئة مفتشي الأسلحة مجسداً بذلك التزام بغداد بقرار مجلس الأمن الصادر في هذا الشأن وهو ما أكدت عليه بدورها تصريحات المسئولين الروس في الأيام القليلة الماضية. محور النفط ولقد استخدمنا تعبير «الرسمي» في وصف المعسكر الأوروبي المعارض للحرب كي نميز ـ من باب التأكيد ـ وجود المعسكر الشعبي الجماهيري المعارض أيضاً لشن الحرب على الشعب العراقي على نحو ما تجسده المظاهرات الحاشدة التي تشهدها مختلف العواصم ومنها موسكو عاصمة الكرملين المرشحة لاستضافة القمة النفطية بين أميركا وروسيا المقرر التئام عقدها في موعد ليس بالبعيد ولكن حسبما تفضي إليه تطورات الظروف. وفي كل حال فمازال الهاجس النفطي يؤرق مضاجع راسمي السياسات وصانعي القرارات في الولايات المتحدة لدرجة أنهم يلتمسون تشكيل ما يمكن أن يطلق عليه، حسب مصطلحاتهم الأثيرة وصفاً بليغاً هو: .. «محور.. النفط». ذلك هو الوصف الذي استخدمه باحثان متخصصان في الاقتصاد والعلاقات الدولية هما ديکيد کيكتور وناديا کيكتور من جامعتي ستانفورد وييل بالولايات المتحدة في بحث نشراه مؤخراً (فصلية فورين أفيرز، عدد مارس ـ ابريل 2003). وإذا كنا قد استخدمنا في أحاديث سبقت مصطلح الهاجس النفطي في محاولة من جانبنا لتوصيف وفهم «الحالة النفطية الأميركية» فقد جاءت سطور الأستاذين المذكورين أعلاه لتوضيح، ربما بصورة أدق، ما يمكن أن تكون قد وصلت إليه تلك الحالة وعلى وجه نعرضه في نقاط تقول: ـ أميركا ما زالت هي أكبر مستهلك وبالتالي أكبر مستورد للنفط في العالم. ـ أميركا سوف تستورد في عام 2003 الحالي نحو 60 في المئة من النفط الذي تستخدمه. ـ هذه النسبة جديرة بأن تواصل ارتفاعها لتصل إلى نحو 70 في المئة في عام 2010 وبعدها سوف يطرد ارتفاعها إلى مستوى التحليق بهذه الزيادة التصاعدية التي من شأنها ان تشكل عبئاً شديد الوطأة على الاقتصاد بل وعلى مسار الحياة في الولايات المتحدة بشكل عام لدرجة تمس الأمن القومي. ـ من هنا أضحت عمليات توزيع المصادر التي تتوافر منها امدادات النفط اللازمة لشرايين الاقتصاد والحياة الأميركية أمراً لازماً بل وحيوياً. بيد أن المشكلة تتمثل في أن كلاً من تلك المصادر التي كانت معتمدة أو تقليدية أو يمكن بقدر من الاطمئنان التعويل عليها.. مصادر تعاني من مشاكل وتعقيدات. كيف؟.. خذ عندك: ـ الشرق الأوسط حالته لا تسرّ أحداً والتوترات تستبد به واندلاع بل وامتدادات شرارات الصراع تهدد استقراره (لا أحد يقول لأميركا في هذا الخصوص إن العدوان الإسرائيلي في قلب الشرق الأوسط هو من الأسباب الجوهرية لهذا كله) وفي منطقة تزود العالم بأكثر من ربع احتياجاته من النفط. من أفريقيا إلى الكاريبي الحالة في نيجيريا ليست بأفضل ولا أدعى إلى الاطمئنان أو الاستقرار. وبرغم أن نيجيريا هي أكبر مصدر نفطي في أفريقيا إلا أنها ما برحت عرضة لصراعات طائفية وعشائرية وقبلية وعرقية ـ دع عنك آفة الفساد التي تنخر في هياكل صنع القرار على صعيدها ـ كل هذا يجعلها مصدراً لا سبيل للتعويل عليه في ضمان امدادات النفط. والحالة في فنزويلا الجارة الكاريبية الأقرب إلى السواحل الجنوبية للولايات المتحدة ليست بأفضل ولا أشد استقراراً.. والذي حدث أن حكومة فنزويلا حاولت في أواخر التسعينيات أن تزيد عوائد حصتها من انتاج النفط العالمي ولا غرو فهي أكبر مصدر للنفط في مجمل قارة أميركا الوسطى والجنوبية. وعندما رفعت فنزويلا من حصتها الإنتاجية زاد العرض بصورة أفضت إلى الإخلال بالتوازن المرهف الدقيق بين العرض والطلب وبالتالي إلى التهديد بانهيار أسعار النفط العالمية. وكان هذا التهديد ما فتح الباب أمام تولي حكومة السيد هوغو شافيز مقاليد السلطة في العاصمة كاراكاس. والمشكلة أن أميركا غير سعيدة عن سلوك شافيز بعد أن تابعته وهو يحاول أن ينتهج سياسة استقلالية أو حتى شبه استقلالية في إدارة شئون بلاده.. وكان أن صنّفته في خانة اليسار وهي خانة المغضوب عليهم من قادة الجيران في أميركا اللاتينية ابتداءً من السيد سلفاتور الليندي الذي دبّرت المخابرات الأميركية مقتله على سلالم القصر الرئاسي في تشيلي وأحلت محله ـ كما لا يخفى على معلوماتك ـ ديكتاتوراً دموياً اسمه الجنرال أوغسطو بينوشيه (أميركا تريد محاربة صدام حسين لأنه ... ديكتاتور!) وليس انتهاء بالسيد فيديل كاسترو الذي تستعجل واشنطن أيام ولايته وربما أيام وجوده على قيد الحياة. بهذا السلوك التحرري أو اليساري من جانب شافيز حقت عليه لعنة أميركا وبدأت بلاده وأركان نظامه تتعرض لهزات واضطرابات وإضرابات أفضت في مجملها إلى زعزعة استقرار ذلك البلد النفطي اللاتيني وكان أحدثها الاضرابات العمالية التي أدت إلى إغلاق موانئ فنزويلا وكان من نتيجتها تذبذب معدلات الإنتاج ومن ثم أوصلت أسعار النفط العالمي إلى 30 دولاراً للبرميل. لاعب جديد في القوقاز وسط هذه الملابسات جميعها، كان طبيعياً، ولا يزال طبيعياً أن تتجه أنظار صانع قرارات الطاقة الأميركي إلى لاعب جديد في ساحة إنتاج النفط في العالم.. هذا اللاعب الجديد اسمه حوض بحر قزوين ومنطقة القوقاز. ويبدو أن عيون وزارة الطاقة بالولايات المتحدة كانت تتابع تطورات الأحوال في تلك المنطقة على امتداد سنوات وكانت ترصد فيها مآل الأحوال في أقطارها التي خرجت منذ عقد من الزمن وأكثر قليلاً من حالة التبعية للاتحاد السوفييتي الذي كان وهي: أذربيجان وكازخستان وتركمانستان وأوزبكستان وتلك جمهوريات متاخمة بدورها لبلدين لهما سطوة نفطية لا تنكر ولا تبارى وهما إيران وروسيا. تفيد تقديرات وزارة الطاقة الأميركية بأن حوض بحر قزوين يضم نحو 34 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة إضافة الى 235 مليون برميل (!) من الاحتياطيات النفطية «المحتملة» وتلك كمية ستجعل المنطقة القوقازية المذكورة ـ في حال ثبوت تواجدها ـ ثاني أكبر احتياطي غير مشغول في العالم بمعنى أنها ستتلو في ترتيب الأهمية منطقة الخليج التي تعد ـ بحمد الله ـ أولى مناطق الاحتياطيات النفطية على مستوى العالم أيضاً. تعود الاحصاءات السالفة الذكر إلى عام 2001 فيما تعود اهتمامات أميركا بمنطقة بحر قزوين والقوقاز إلى ملابسات سقوط الاتحاد السوفييتي. وكانت إدارة كلينتون السابقة قد اكتفت برصد الأحوال خلال حقبة الرئيس الروسي السابق يلتسين بكل ما اكتنفها من تحولات بل وتشنّجات سياسية وانحرافات سياسية وسلوكية. يومها كان الرهان النفطي محفوفاً بأخطار جمة.. يومها أيضاً كانت واشنطن تتابع الموقف وتكتفي بجمع المعلومات وإجراء الحسابات إلى أن حلّت حقبة الاستقرار ولو النسبي مع دخول فلاديمير بوتين من الباب الرئاسي في الكرملين. مرافق أساسية في هذا الإطار نشطت الجهود الأميركية في تمهيد الأرضية وإعداد المسرح.. ومن حقها أن نشهد لها موضوعياً بأنه لم يكن تمهيداً بالكلام ولا إعداداً بالخطب أو الشعارات. كان تمهيداً بالعمل والاستثمار وتنفيذ خطط كانت مرسومة وكانت عملية إلى حد ليس بالقليل. لقد نشر البروفيسور مايكل كلير دراسته المهمة عن «أثر خطة بوش للطاقة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة» (شهرية الوقائع المعاصرة ـ كرنت هستوري مارس 2002) فاستعرض في دراسته الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة وكانت في رأيه جهوداً حثيثة ودؤوبة من أجل ضمان مصدر نفطي جديد وفريد من منطقة القوقاز ـ حوض بحر قزوين. وتجسدت تلك الجهود في بناء وتطوير الهياكل التحتية ومرافق البنى الأساسية وشبكات التوزيع. وكانت المراجع الأميركية قد أدركت صعوبة الطابع الجغرافي الذي تتسم به منطقة حوض بحر قزوين فهي منطقة مغلقة بغير ثغور تطل على سواحل البحار الخارجية المفضية إلى طرق المواصلات وسبل الإمدادات العالمية ومن ثم كان يتعين أن «تسافر» إمدادات النفط والغاز الطبيعي من مصادرها الأصلية في المنطقة القزوينية وعبر شبكة أنابيب عملاقة ومعقدة إلى حيث تصل إلى المناطق الأخرى التي يتسنى منها شحن الصادرات إلى أسواق الاستهلاك الغربية في أوروبا وفي أميركا وكان معنى ذلك في رأي الأستاذ الأميركي أن أي جهود ترمي إلى استغلال واستثمار احتياطيات حوض قزوين الثرية الواعدة كان تنطوي بالضرورة على إنشاء خطوط تصدير عبر مسافات شاسعة وطويلة. جهود الرئيس الشخصية إلى جانب إنشاء وتطوير الهياكل والمرافق المادية اقتضى الأمر ـ من جانب إدارة كلينتون السابقة جهوداً دبلوماسية غطت الجمهوريات السوفييتية السابقة بعد حصولها على الاستقلال إثر انهيار نظام الكرملين الشيوعي وكان الهدف من تلك الحملة الدبلوماسية واضحاً ومحدداً كما يلي: .. العمل على فتح حقول النفط في تلك الجمهوريات أمام الشركات الغربية ـ الأميركية بالذات كما توظف استثمارات كثيفة في هذا المضمار مع السماح لها بإنشاء نظم جديدة للنقل وللتوزيع لزوم التصدير الخارجي. يؤكد البروفيسور مايكل كلير أن الرئيس كيلنتون لم يكن ليتورع شخصياً عن الاضطلاع بدور محوري في هذا الصدد. كان يتصل مراراً وتكراراً بقادة بلدان بحر قزوين وكان يدعوهم كي يحلّوا ضيوفاً على البيت الأبيض في زيارات وصفت بأنها كانت دورية ومنتظمة.. وفي أحد هذه اللقاءات لم يتردد بيل كلينتون أن يخاطب واحداً من هؤلاء الضيوف في عام ,1997. وهو السيد حيدر عليائيف فأوضح الهدف من تلك الجهود قائلاً: ـ نحن نهدف ـ فخامة الرئيس ـ إلى تنويع إمداداتنا من الطاقة ومن ثم إلى تعزيز أمننا القومي. كان طبيعياً ـ بل كان بديهياً ـ أن تواصل خطة الطاقة التي أعلنها الرئيس الحالي بوش البناء على ما أرسته الإدارة السابقة في البيت الأبيض. في هذا الخصوص نصّت خطة بوش على ما يلي: ـ إن الأمر يقتضي في منطقة القوقاز وبحر قزوين الجمع بين الاستثمار الخارجي وبين التكنولوجيا مما يؤدي بدوره إلى سرعة تطوير مسالك جديدة ومجدية تجارياً من أجل تصدير النفط (من تلك المنطقة) وهذا من شأنه أن يزيد من إنتاج النفط في حوض بحر قزوين ومن ثم يجعله جزءاً متكاملاً من تجارة النفط العالمية. وبعد.. فقد كانت تلك جهوداً طبيعية استلزمتها مقتضيات الأمن القومي للولايات المتحدة. وكانت تبذل كما ألمحنا على جبهات الدبلوماسية والاقتصاد والبنية الأساسية وما إلى ذلك سبيل. لكن الأمور تغيرت كثيراً في الآونة الراهنة. والسبب كان أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ,2001. وهو ما يدعو إلى مزيد من تفصيل. ـ كاتب سياسي من مصر