الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 تقول الحكمة الشهيرة: «لا ينجم عن علاج قليل لشر كبير نتيجة كبيرة، ولكنه ببساطة لا ينجم عنه اية نتيجة على الاطلاق»!. تفضح هذه الحكمة البليغة المعالجات الطارئة للازمات الكبرى، وتجردها من اي فاعلية، وتنفي عنها اي قيمة، ضاربة عرض الحائط بشفاعات المنادين بالحلول الجزئية، المؤمنين بإمكانية ايجاد حلول عملية لمشاكل كبيرة عبر برامج محدودة، وافكار بسيطة سرعان ما تضيع وسط الهدر العالي والصخب العنيف للممارسات الخطأ التي تنتشر كالطفيليات تاركة خلفها جذوراً عميقة للضعف كي ينمو، ويعيد تقديم نفسه من جديد بصور واشكال مختلفة!! والميزة التي يمكن رصدها للمعالجات السطحية التي لا تنفذ إلى القاع انها لا تترك اي اثر يمكن الوقوف عليه، ولا تقوى على السيطرة على المشاكل والازمات!! وكلما كبر حجم المشكلة كلما اصبحت هناك حاجة ملحة إلى استنفار القادرين على التعامل مع الازمة بكفاءة وفاعلية، واصبح اعتماد آرائهم والقبول بها طوق النجاة للخروج من الدائرة المغلقة التي صنعها الوهم بإمكانية حل الازمات عن طريق الافكار السطحية او المحاولات البسيطة التي لا يدعمها رأي سديد، ولا فكر ناضج!! ويوم ان يتفاقم حجم الانحراف في المجتمع، ويصبح للجريمة حيز ومكان، فعلى المجتمع بكافة مؤسساته ان يفتح الاشارات الحمراء وان يواجه نفسه ليكتشف مواضع الخلل في نشاط مؤسساته ومدى مساهمتها في افراز الظواهر السلبية واعادة انتاجها كأثر مباشر لغياب الدور الوقائي لدى عديد من المؤسسات الاجتماعية، وتسرب الشعور بالمسئولية القصوى ازاء دعم الجيل الجديد وحمايته من الانحراف. ولو اخذنا مؤسسة التعليم كابرز المؤسسات المرشحة للحد من الجريمة، ولمنع وقوعها، وتساءلنا عن مدى كفاءة هذه المؤسسة في اشباع حاجات الفرد إلى التعلم والمعرفة واكتساب المهارات الشخصية التي تعزز من ثقته بنفسه، وتمنحه القدر المناسب من التوازن الداخلي والشعور باشباع الحاجات الاساسية إلى الحب والقبول والاحتواء. فلا شك ان الاجابة التي سنحصل عليها ستؤكد ان مدارسنا ـ في كثير من الاحيان ـ تعمل على تفريخ شخصيات مهيأة للانحراف في ظل الفشل الذريع في التصدي لحالات التسرب الدراسي، والضعف التحصيلي، والخصومة مع المعرفة التي تمارسها شريحة الطلاب المتمردين على النظام التعليمي السائد والذين اصبحوا ارضا خصبة تستقبل الافكار السلبية وتتفاعل معها، لينتج عن ذلك التشبع والقبول فئات من الشباب المهيئين لارتكاب الجريمة، والسبب التدهور الدراسي المبكر، والفشل في مواصلة التعليم، وما يجر خلفه من آثار مباشرة على شخصية هؤلاء الشباب الذين فقدوا الحماس للعلم والمعرفة. ومن السذاجة وقلة الوعي ألا تحاسب المؤسسة التعليمية نفسها عن كل طالب مشاغب يتخذ قراره الخاص بهجر مقاعد الدراسة، واللحاق بقطار المغادرين لميدان التربية والتعليم. حيث ان هذه المغادرة المبكرة لن تضر بالطالب الذي اختار في سن المراهقة ان يولي وجهه شطر الشارع والاسواق، انما ستضر مجتمعاً بأكمله، وستصيبه بآفات اجتماعية سوف يتجرعها بمرارة، ويكابد الم بقائها في جسده وكيانه، كلما خرج فرد عن طابور المتعلمين، وانضوى تحت لواء المعارضة غير النزيهة التي يقودها جموع الهاربين من الميدان التعليمي. عافية المجتمع اذن في قوة نظامه التعليمي، ومرضه في ضعف هذه المؤسسة الفائقة الاهمية وكل خطوة باتجاه رفع مستوى الكفاءة المهنية في هذا المحيط ينبغي ان تتبع بخطوات سريعة تشكل في مجملها النظام التعليمي الجديد القائم على رؤية شاملة قادرة على جذب الطلاب من جديد إلى مدارسهم وجامعاتهم. وما الابطاء في اداء هذا الدور الا دليل الوهن والعجز المجتمعي وليس المؤسسي وحده.