الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 ان تكون اديبا او شاعرا هذا امر سهل، اما ان تكون اديبا او شاعرا يتحدث عنك الناس ويتابعونك ويتلقفون اخبارك واخبار آخر اعمالك فهذه هي المشكلة.. وهذا هو الامر الصعب..! بعض السذج قليلي الخبرة من الادباء والشعراء الناشئين يصدقون الحكمة القائلة «من سار على الدرب وصل»، ويبدأون ـ بما يشبه السذاجة ـ في تطبيق هذه الحكمة البالية بمتابعة كتابة ونشر الاعمال التي تزداد نضوجا مع الايام، آملين ـ او حالمين ـ ان يوصلهم هذا الطريق العقيم آخر الامر الى الشهرة ويجعلهم حديث الناس يوماً من الايام..! اما الاذكياء.. الواقعيون.. اصحاب الخبرة والتجربة فيرون في اتباع هذا الطريق ضربا من الغباء وقصر النظر. ويؤكدون لك ان لديهم من الاساليب المستحدثة والوسائل المبتكرة ما يقفز بالاديب او الشاعر ـ بصرف النظر عن حجم موهبته ـ الى الاضواء والشاشات في ازمان قياسية، جاعلة منه بين يوم وليلة حديث الناس ونجم المجتمعات وضيف اللقاءات والندوات مما يوفر عليه عناء الصبر وطول الانتظار.. بل ويوفر عليه مشقة الكتابة والتأليف ايضاً..! ادباء الواقع المعاصر يرسمون لك «ان كنت غاويا» الخطوط العريضة للطرق السريعة «الاوتوستراد الثقافي» الموصل في اقصر واسرع وقت الى محطة الشهرة والانتشار، ويلفتون نظرك في نفس الوقت الى عدم الاهتمام كثيرا بما سوف يكتب عنك وعن أدبياتك، فسواء كان ما يكتب في صفك او ضدك.. فالمهم والاهم هو ان اسمك سيتردد دائماً بصرف النظر عما سيقال عنك.. مدحا.. او ذما..، وهو المطلوب!! ــ اول خطوة على طريق «الاوتوستراد الثقافي» هي تجنب كل اصول الكتابة المعروفة والمطروقة، حتى لو اقتضى الامر الكتابة من الشمال الى اليمين لتكون كتاباتك متميزة. واذا اردت تميزاً اكثر فاتبع الاسلوب الصيني في الكتابة، فتكتب مقالاتك من فوق الى تحت.. امعانا في التجديد وإبرازاً لقدرتك على التطوير والتطور..! ـ اذا كنت شاعرا فابدأ بكسر كل الاوزان والثورة على القوافي، لا من باب التجديد والخروج على المألوف فحسب، بل اقتناعاً منك باستحالة التعامل مع هذه المفردات القليلة والمملة.. والا انكشف افلاسك الثقافي من اول محاولة..! ــ الخطوة التالية على «الاوتوستراد» المذكور هي اثراء اللغة العربية بكل غريب ومستغرب من الالفاظ وبكل عجيب ومستعجب من التراكيب اللغوية حتى ولو كانت من لغات غير عربية، إياك واستخدام الكلمات المعروفة والمطروقة التي لن تلفت اليك الانظار مهما اجدت واجتهدت، المهم ان يحس القاريء او الناقد انه امام شيء غير مألوف وغير مفهوم، والاهم ان يقف الناقد نفسه حائراً وعاجزاً عن اتخاذ موقف محدد تجاه ما تكتبه، خائفا من احتمال وجود قصور في حصيلته اللغوية امام وابل ألفاظك الغريبة والمتجددة دائماً، لا يهم ما سوف يكتبه عنك بعد ذلك فلو اثنى عليك. فأهلا.. ولو شتمك ومسح بما تكتبه الارض فألف اهلا وسهلا.. ففي الحالين اسمك مكتوب.. واسمك متكرر في كل السطور.. ممدوحا او مشتوماً لا يهم..! في هذا المجال هناك العديد من الامثلة التي لا تحصى من التراكيب التي قد يتفتق عنها ذهنك والتي لن تعجز قريحتك عن ابتكار الجديد والجديد منها كل يوم..! خذ مثلا: «تبرقش الليل ساعة انحساف المكارع».. «حطمت قيود بواليعك الذئبوية».. «صباح الانبهاظ يا وطني المحتبق».. «دعونا نفترش عكاكيز الحب المهترش».. الخ..الخ..! ــ قاعدة اخرى ذهبية على طريق الظهور والشهرة الواسعة، اياك إياك ان تكتب كلاما مفهوما يدرك معناه ومدلوله العامة.. بل وحتى الخاصة، العمل الادبي المفهوم اصبح سلعة رديئة شديدة التخلف في سوق الثقافة العربية المتحضرة، ان الغموض يضفي على اعمالك هالة من الحيرة قد تصل الى حد الاحباط، وقد تدفع القاريء او الناقد الى هرش رأسه حتى تسقط آخر شعرة فيها محاولا حل عملك الادبي الذي لن يفلح في حل طلاسمه الا الماهرون في مسابقات الكلمات المتقاطعة، وفي النهاية سيجد كل منهم تفسيراً لما كتبت، وأيا كان هذا التفسير او ذاك فكلاهما قطعا لم يخطر ببالك وانت تكتب ما كتبت لانك انت شخصياً لا تفهم ماذا كتبت..! بين يوم وليلة.. ومن عمل ادبي من هذا اللون وعمل ادبي آخر من نفس النوع سيقفز اسمك الى الاوساط الادبية والاعلامية باعتبارك كاتبا مجددا تؤمن بالحداثة وتبتكر اساليب ادبية لم تخطر ببال بشر، ستعقد الندوات التي انت نجمها..، وستفتح كل البرامج الثقافية في الاذاعة والتلفزيون بكل قنواته ابوابها لاستضافتك للحديث عن مدرستك الجديدة، ويكون عليك حين تدعى للكلام ان تزيد الطين بلة.. فتفسر ما ليس مفهوما في كتابتك بما هو اكثر غموضاً واستغلاقا على الفهم لتترك الحضور والمشاهدين في حالة انبهار شديد مصدرها الوحيد عجزهم عن فهم ما يظنون فوق مستوى فهمهم وثقافتهم، وهذا تأكيد جديد لعبقريتك التي لا يعرف حجمها وحقيقتها ـ لحسن الحظ ـ الا انت!! اخيرا.. لا تنس ان تنتهز كل فرصة ممكنة لتصدر احكامك القاطعة والصارمة على كل ادباء الماضي والحاضر، ولتصحيح المفاهيم الخاطئة التي رسخت في اذهان الاجيال الماضية والمعاصرة والتي رفعت شاعرا تافها كالمتنبي بلا وجه حق.. ووصفت كاتبا مبتدئا كالعقاد بأنه عملاق.. وقالت عن شاعر ناشيء كأحمد شوقي انه امير الشعراء دون مبرر معقول مؤكدا ان نزار قباني كان يملك موهبة لا بأس بها كان يمكن ان تنضج لو استمر به العمر قليلا..!! واخيرا مرة اخرى.. الى اللقاء في حفل تكريمك بمناسبة حصولك على جائزة الثقافة العربية للعام المقبل.. ان شاء الله..!!