الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 «صباح الحرب»، ربما غدا يلقى صاحب على صاحبه في المقهى او مكتب العمل او محطة انتظار الباصات، او لقاء عابر في السوق هذه التحية..ولماذا لا، حروب هذه الأيام تبث على الهواء مباشرة، وتتفنن في نقل تفاصيلها كبريات الاجهزة الاعلامية، وتلتقط العدسات المطورة حتى قطرات الدم المتناثرة على الرمل..فما عادت هذه القطرات تثير الحزن، او الغضب. حروب اليوم تنشر سيناريوهاتها برسوم الغرافيك مزودة بالشرح والتفاصيل، من هنا سيدخلون، ومن هنا سيطلقون النيران، ومن هنا سيتخذ الجنود سواتر لهم، مع كثير من الارقام والاحصاءات عن العدة والعتاد. صارت الحروب نزهات معلنة ومواعيدها دقيقة.. يكفي ان يقال لك غدا حرب، فتسأل عن ساعة الصفر التي كان عباقرة الجيوش يخبئونها حتى لا تتسرب لعباقرة الجيوش المقابلة، اما اليوم فهي معلنة، غدا في تمام الساعة كذا عند الدقيقة كذا بتوقيت غرينتش يبدأ الاستعراض الكبير. صارت الحرب مهرجاناً تسبقه اعلانات كإعلانات السيارات الجديدة، او اعلانات منظفات الاواني. فلا عجب ان يصبح صباح الحرب علامة على موعد، او لقاء، او مهمة، ويصبح شعورك الداخلي قد مورس عليه الزيف وتزيف فأصبحت تعطي المواعيد منطلقا من ساعة صفرها. حبيبتي الغالية.. نلتقي غدا في تمام الساعة كذا وفور انطلاق اول سرب للطائرات المقاتلة على المدينة الفلانية. عزيزي.. ربما لن يتسنى لي تحقيق موعدنا في وقته المحدد لاني سأكون مشغولا بمتابعة الدمار فوق القرية الفلانية على الفضائية الفلانية. زوجتي الحنون انا مشغول جدا لا تنسي ان تديري جهاز الفيديو لتسجلي لي بالصورة ماذا فعل الجنود ودباباتهم حينما واصلوا قصفهم وحرقهم، ولا تكتفي بهذا اريد لقطات للجثث المحترقة وتلك التي انفجرت القنابل والصواريخ في جماجمها. سيدي المدير العام ارجو المعذرة لتأخري عن الدوام فعند السابعة صباحا ستكون الفاجعة مشوقة للمشاهدة والمتابعة.. اكتب لي اجازة ووقعها، وسببها..كان يشاهد الحرب. صباح الحرب، مساء الحرب، عمت حربا، تصبح على حرب، يا..مرحتين كبار.. عفوا يا حربين كبار. تصبح الحرب عادية.. وكأنها لا تؤذي ولا تؤلم ولاتنخر الذاكرة ولا تخلف البؤس والشقاء لسنوات طويلة. عزيزي العربي.. هل تفضل موعدا على جبهة حرب ملتهبة على طاولتها ورد من الدم البارد وفنجان من قهوة مرة. لنحضر البكاء قبل الخيبة الكبرى؟ halyan@albayan.co.ae