الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 باع جحا بيته باستثناء مسمار في الحائط، ففوجيء من اشتراه في اليوم التالي بأن جحا يطرق الباب ويريد دخول البيت للتفتيش عن المسمار، هل أزيل من مكانه أم خبيء؟ وإذا كان الجواب بلا، فيجب قلب جنبات البيت للبحث عن المسمار، وإذا كان الجواب بنعم فيجب أن يدخل حتى يرى مسماره ويطمئن عليه. حكاية مسمار جحا الشعبية تتكرر في كل زمان ومكان، غير انها تبدو وكأن القريحة العربية انتجتها خصيصاً لتوصيف العلاقات العربية ـ الأميركية في زمننا الحاضر، رغم ان عصر انتاجها يعود الى زمن لم تكن فيه أميركا كائناً على قيد الحياة. النفط ومعاداة اسرائيل هما مسمار جحا الأميركي، لا سبيل أمام العرب للافلات من هذه الدائرة الجهنمية التي وضعتنا فيها الأقدار، إلا أن ينضب النفط وتزول اسرائيل، أو أن تحل كارثة كونية بالولايات المتحدة تعيدها إلى حدودها، هناك بعيداً وراء المحيط الأطلسي. ما الذي جاء بالجنود الأميركان كي يحاربوا هنا غير المطامع وجنون القوة.. لا نعرف عن الغزاة في أي عصر انهم رسل تحضر، أو كائنات تحمل مشاعل الحرية.. لا شيء من هذا فأقدامهم ثقيلة على القلوب، وأنيابهم أنياب وحوش، كل منهم دراكولا يمتص دماء ضحاياه حتى آخر قطرة، ويتركهم جثثاً هامدة. ـــ تنكس العواصم العربية رؤوسها، وهي ترى بغداد تنتقل من أسر اليئأسر ومن دمار إلى دمار. بغداد هذه كانت يوماً درّة التاج ومثار الافتخار حينما كان يسير السائر من طنجة إلى شط الخليج دون أن يستوقفه شرطي يطلب منه جواز سفر أو تأشيرة دخول. كانت بغداد يوماً رمز عزنا ومجدنا، فما الذي جعلها الآن رمز خزينا، والدليل الحي على ضعفنا وشتاتنا واستلاب ارادتنا. أي شيء أجدر بنا: أن نبكيها أم نبكي أنفسنا. أن نلعن العصر الأميركي أم نلعن عصر ملوك الطوائف في بيتنا؟!. هل نلوم أنفسنا لأننا لم ننتزع حريتنا انتزاعاً؟ أم نلوم نظامنا العربي الرسمي الذي سلبنا حقوقنا في أن نصرخ ونحتج.. نوافق ونرفض.. نقيل نظاماً وننصب آخر نرتضيه؟. نتساءل: لو ان نظامنا كان من اختيارنا.. هل كنا نصمت هذا الصمت الجنائزي؟ هل كنا نترك احدى العواصم فريسة لذئب يجيء من وراء المحيطات ليفترسها.. أم كنا نتصرف بشكل آخر؟ شكل يتسق مع حضارتنا وقيمنا وشهامتنا ومروءتنا وغيرتنا التاريخية على الأرض والعرض، وبسالتنا القتالية. ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا ـــ أي حضارة تلك التي تنصب نفسها قيّماً علينا.. أليست هي بذاتها الحضارة الغربية التي وصفها ارنولد توينبي بأنها أكثر الحضارات اجراماً في التاريخ.. وأي حرية تأتينا مع أحذية الجنود الغزاة وعلى فحيح قاذفاتهم وصواريخهم؟ وهل هناك من أمل في أن تنطبق قوانين التاريخ على حالة الاستعمار الاميركي؟ قانون التاريخ عادة يحقق أشياء غير تلك التي رسمها الجبارون، وقانون فرط التوسع هو الذي أودى بالامبراطوريات الى المهالك خلال القرون الخمسة الفارطة، كما يقول بول كيندي أو بتعبير توينبي كان للنزعة العسكرية النصيب الأوفر من انهيار الحضارات.. انها تصرعها. مشكلتنا مع أميركا مشكلة، فنحن مبرمجون على رسالة حضارية وهم بلا حضارة.. نحن لا نمتلك تقدماً علمياً وهم على رأس جبل التقدم العلمي.. نحن نتحرك بعواطفنا وهم بلا عواطف. يقول الأديب الأميركي الكبير جون ستاينيك في خطاب أرسله الى صديقه ستيفنسون «إن مشكلة أميركا هي ثراؤها. ان لديها أشياء كثيرة، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية. اننا في حاجة الى ضربة تجعلنا نفيق من ثرائنا. لقد انتصرنا على الطبيعة ولكن لم ننتصر على أنفسنا». هل يجدر بنا أن نحلم.. أن تتلقى أميركا الضربة هنا حتى تفيق؟ وهل بوسعنا أن نأمل أن تكون بغداد مسماراً في نعش الامبراطورية الأميركية، كما كانت أفغانستان مسماراً في نعش الامبراطورية السوفييتية. القتال الآن ليس في حاجة الى شجعان ينتصرون، أو جبناء ينهزمون.. انقلبت الموازين.. أصبح الشجاع ينهزم إذا كان بلا أسلحة حديثة.. الرعديد ينتصر إذا قاد قاذفة ثقيلة.. وانتصار الأميركان لا يعني انهم أشجع منّا. ـــ أناجيك يا اللّه كما يليق بجلال وجهك الكريم وعظيم سلطانك القديم. نعلم يا رب ان حكمة إلهية اقتضت أن يتسلط الأميركان علينا كما اقتضت حكمتك أن يكون رأس النبي يحيى مهراً لبغي. نسألك بقدرتك أن تسلط الظالمين على الظالمين وتخرج عبادك المساكين من بينهم سالمين. لا شيء يعجزك.. كل ما في الكون رهن الكاف والنون. يا من نجيت يونس من بطن الحوت، نجنا من بطشهم.. يا من رددت جيش أبرهة عن بيتك الكريم.. رد جيشهم .. يا من خسفت بقوم لوط.. اخسف بهم.. بدِّل عزّهم ذلاً.. وجبروتهم وهناً.. احفظنا يا اللّه من أميركا.. ولا تحفظ أميركا.. أنر بصيرتنا واعم بصائرهم.. اجعل كيدهم في نحورهم وتدميرهم تدبيرهم.. اغرق أساطيلهم كما أغرقت فرعون وجنوده.. ارسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية يا رب المستضعفين، وناصر المقهورين.. أزل الغشاوة عن أبصارنا .. بدِّل ضعفنا قوة وخنوعنا عزاً.. (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) قالها يونس فنجّيته.. فنجنا قدر صدقنا في التضرع إليك.