الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 وقع في يدي مقال كتبه يهودي غربي يصور فيه مدى سيطرة ابناء جلدته على مقدرات الولايات المتحدة الاميركية، قرأت المقال عدة مرات محاولا وضع علامات على الاخبار التي قد تهمني او تهم القارئ، وقد ذكر عدة شخصيات ومؤسسات رأيت ان من الممل ذكرها او سردها، فهي من الكثرة والسطوة بحيث تصيبنا بالاحباط. لفت انتباهي اسم الجنرال كولن باول وزير الخارجية الاميركي ضمن تلك الاسماء، وذكر الكاتب ان للجنرال اصولا يهودية من جهة والده يفتخر بها. عدت الى مكتبتي مقلبها رأسا على عقب محاولا الوصول الى كتاب كنت قد قرأته بعيد حرب الخليج الثانية بعنوان «يوميات كولن باول» تظهر فيه صورة وزير الخارجية الحالي بزيه العسكري على الغلاف، لم يأخذ الامر طويلا فقد ظهر الكتاب يعلوه غبار يمتد تاريخه لحوالي عشر سنوات، بدأت في قراءته للتأكد ان كان الجنرال قد جاء على ذكر اجداده العظام. استغربت من الامر فكيف لابن مهاجر جامايكي اسود البشرة ان يفخر باصول يهودية تجري في دمه ؟ وهل الامر غدا تزلفا وتقربا للاقلية المسيطرة على مقدرات اقوى قوة على الارض ؟ بعد حرب الخليج الثانية اعتقد الجنرال ان حياته العملية قد انتهت وان التاريخ سيطويه كما طوى غيره، وفكر في استثمار الشهرة التي اغدقتها عليه تلك الحرب لكتابة مذكراته والحصول على المال الذي يكفي لحياة تقاعدية مريحة، جلس على طاولة صغيرة في مدخل احدى المكتبات التي تبيع كتابه للتوقيع على النسخ التي يشتريها القراء، لم تكن هناك صفوف كثيرة، ولكنه كان جنرالا على أي حال كتب حياته الشخصية وقد يكون الكتاب مسليا بعض الشيء، ولهذا كان بعض القراء يقبلون على شرائه. انتظرت الطبعة العربية التي نزلت السوق سريعا، وهو كتاب كبير بعض الشيء يحتاج الى الوقت للانتهاء من قراءته، وقد يكون مملا لمن لا يهتم بالجانب الانساني والشخصي من حياة المشاهير. وقعت عيناي على الفقرة الاولى من الصفحة السادسة عشرة حيث يقول : كانت عائلتا ماكوي وباول تملكان جذورا مشتركة في السلالة بين الجامايكيين بما فيها الافريقية والانجليزية والايرلندية والسكوتلندية وربما الهندية، لا بل ان عائلة والدي كانت تضيف ارومة يهودية من برومفيلد. دعونا نفسر تلك الفقرة، فالجنرال يقول انا مع كل القوى التي تسيطر على البيت الابيض وسأتقلب تقلب الحرباء لاكون مع من يملك السلطة، ولا مانع عندي ان اكون يهوديا حتى وان كان لوني لايساعدني في ذلك، المهم ان اصل. خلال حرب الخليج الثانية قامت طائرات الحلفاء بحوالي مائة وعشرة آلاف طلعة جوية في 42 يوما، أي ان هناك طلعة جوية كل 30 ثانية، واسقطت تلك الطائرات ما وزنه 88500 طن من المتفجرات، وقتل خلال الايام الاولى من تلك الحرب حوالي مئتي الف شخص، ثم تصاعد الرقم بطريقة لوغارتمية خلال الثلاث عشرة سنة التي تليها، ليتحول الامر الى مجزرة شارك فيها ابن المهاجر الجامايكي ابناء عمومته اليهود لتتلطخ ايديهم بدماء مئات الالاف من الاطفال والنساء والشيوخ والمرضى، والمقبل قد يكون اقسى مما مضى. عندما سأله صحفي من نيويورك تايمز عن عدد القتلى في حرب الخليج الثانية رد قائلا : «لست مهتما اهتماما حقيقيا بالارقام». إن هذه الارقام التي لا يهتم بها الجنرال هي ارواح تم انتزاعها نزعا من اجسادها، وكل رقم عبارة عن حياة وتاريخ مليء بالافراح والاتراح والاحباب والامال، وكل نفس تموت يموت بموتها العديد من الناس الذين يرون فيها حبيبا وزوجا واخا وابنا وابا. ان الجنرال لا يهتم بالارقام لانها نحن، انها ارقامنا، ولو كانت ارقام ابناء عمومته الذين يفخر بهم لما قال ذلك. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com