الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 هل من مجتمع مدني في الوطن العربي؟ وان كان موجوداً كيف تفاعل ويتفاعل مع الحرب ضد العراق وما هي الاعمال والانشطة ، التي قام بها؟ وما هو حجم مشاركته السياسية وتأثيره في صناعة القرار وفي الرأي العام؟ ما هي علاقته بالمجتمع السياسي وبالسلطة؟ وما هي القوى التي تحركه في المجتمع أو بعبارة اخرى ما هي القوى التي يمثلها؟ واذا كان المجتمع المدني غائباً او مغيباً في الوطن العربي، ما هي الاسباب يا ترى؟ ولماذا تتظاهر شعوب العالم ويبقى الشارع العربي وهو المعني بالأمر بالدرجة الاولى يتفرج وينتظر ليلة الاغتصاب؟ اسئلة عديدة ومتشعبة تدور في ذهن كل مواطن عربي غيور على هذه الأمة، وخاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها. مستلزمات المجتمع المدني يرى فلاسفة التنوير والعقد الاجتماعي من امثال جون لوك وجون ستيوارت ميل وجان جاك روسو ان المجتمع المدني لا يكتب له النجاح في غياب الفصل بين السلطات وان هناك حدوداً وتمييزاً بين الدولة والمجتمع، فالمجتمع المدني هو صاحب السيادة الحقيقية في المجتمع لانه هو الذي يختار ممثليه في الاجهزة السياسية المختلفة وهو الذي يختار من يحكمه وبذلك فإن الحاكم والسلطة مسئولان امام القوى الاجتماعية التي صوتت له وانتخبته واختارته، فالمجتمع المدني اذن يشارك بمختلف قواه في الحياة السياسية ويمارس حقه في الاختيار والنقاش والحوار والمعارضة والتجمع.. الخ، كما ان المجتمع المدني يمارس سلطة المراقبة والمحاسبة على الممثلين والمنتخبين من خلال المنظمات والهيئات والهياكل المختلفة في المجتمع ، وهنا تلعب وسائل الاعلام دوراً استراتيجياً في ارساء قنوات الاتصال والحوار الهادف والجاد والصريح بين مختلف شرائح المجتمع والسلطة. في هذا الجو الصحي والنظيف والشفاف والصريح يعتبر المجتمع المدني القوة الحقيقية في المجتمع القوة أو السلطة التي تمثل المرجعية الاساسية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تهم المجتمع فالقرار السياسي في ظل هذه الآليات يتخذ بطريقة ديمقراطية حيث يشارك الجميع من خلال الهيئات والجمعيات والهياكل المختلفة التي تمثل شرائح المجتمع بصفة ديمقراطية وواعية في تحديد مصيره والقرارات التي تعنيه بالدرجة الاولى. نخلص مما تقدم ان مستلزمات المجتمع المدني في الوطن العربي مازالت غير متوفرة ونجدها مبتورة وعرجاء في اغلب الحالات ان كانت موجودة بالاساس.. فغياب تفاعل المجتمع المدني مع الأزمة العراقية ومغيب في معظم الاحيان، فالمشاركة السياسية تكاد تنعدم والاجهزة المختلفة التي من المفروض ان تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه لا تمثل إلا نفسها وتدافع عن مصالحها، اما عن الحريات العامة وحقوق الانسان وحرية الصحافة فحدث ولا حرج. ففي ظل غياب الفصل بين السلطات تضيع ابسط الحقوق التي يحتاجها المجتمع ليكون لديه مجتمع مدني قوي وفعال، من العوائق الاخرى التي يواجهها المجتمع المدني العربي انتشار البطالة والفقر وانتشار المشاكل المختلفة التي تشغل الفرد البسيط والمغلوب على امره وهذا ما يقضي على اي شيء اسمه العمل الجماعي والنضال من اجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق العامة لافراد المجتمع.. من جهة اخرى تشير التقديرات الى وجود اكثر من 60 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة، هذا الرقم يعتبر خطيراً ومخيفاً بكل المقاييس حيث ان الامية تعيق الثقافة السياسية ومشاركة الفرد في الحياة المدنية وبناء مجتمع مدني فعال. انهيار الطبقة الوسطى تآكلت الطبقة الوسطى في معظم الدول العربية في العقدين الاخيرين مما اثر سلباً على المجتمع المدني والحياة السياسية بصفة عامة فالطبقة الوسطى هي التي تفرز المثقفين والمنظرين والنشطاء في مجال حقوق الانسان والحريات العامة فبانهيار هذه الطبقة انهارت القيادات التي تنشط وتنظم وتدافع عن مصالح الطبقات المحرومة، وفي ظل غياب الطبقة الوسطى يبقى المجتمع تحت رحمة حفنة قليلة جداً تتحكم في المال والسياسة والعباد والبلاد، اما الطبقة الثانية في المجتمع فهي طبقة الغالبية العظمى طبقة الفقراء والمساكين والتي يتمثل همها الوحيد في ضمان لقمة العيش اليومي، هذا الجهاد يأخذ كل جهدها واهتمامها وطاقتها، وتبقى امور المشاركة السياسية وقضايا الحقوق العامة والفردية والحريات العامة مواضيع لا تغني ولا تفقر وتكون في آخر اجندة وأولويات الغالبية العظمى من افراد المجتمع. ففي ظل غياب الطبقة الوسطى تتآكل النخب وتنهار وتبقى الكلمة الاخيرة للتحالف السياسي المالي الذي لا يهمه في المجتمع سوى مصالحه وتبقى اعداد البشر مجرد ارقام لتحويلها الى ارباح وعائدات مالية، وفي ظل هيمنة التحالف المالي السياسي في المجتمع تصبح كل ادوات الثقافة والصحافة ووسائل الاعلام والصناعات الثقافية في يد هذه الحفنة من الناس التي توجه مخرجات هذه الادوات وفق اهوائها ولخدمة مصالحها واهدافها ، وهذا ما يفرز في آخر المطاف وعياً مزيفاً وثقافة لا تعكس الواقع على الاطلاق، وهذا ما نشاهده اليوم فيما يخص ازمة المثقف العربي، وهجرة الادمغة وتهميش المفكرين والمبدعين في معظم بلاد العرب، وهذا ما نلاحظه كذلك في ازمة الحرب على العراق حيث ان ملايين البشر في ربوع الوطن العربي تكاد تنفجر للتعبير عن سخطها أو استيائها من الهمجية الاميركية، لكن ليس باليد حيلة، حيث ان التجمهر او السير في مظاهرات او في التجمعات يتطلب تراخيص واجراءات قانونية وتنظيمية يصعب الحصول عليها، وبذلك تبقى الاحلام والطموحات والاستياء حبيسة الملايين من البشر وحتى وسائل الاعلام العربية اصبحت تتفنن في الفترة الاخيرة في نقل صور عن القواعد العسكرية الاميركية وعن البواخر الحربية وحاملات الطائرات وغيرها من وسائل الردع والدمار. ولم ينتخب الشارع السلطة في الوطن العربي وبذلك فهي ليست مسئولة امامه كما ان آليات المسئولية والمحاسبة والمراقبة غير قائمة اساساً وحتى عملية الفصل بين السلطات لا نجدها موجودة ومعمولاً بها اساساً ومن ثم فلا توجد علاقة تفويض وتمثيل ومساءلة، وفي ظل غياب المؤسسات التي تمثل الشعب وغياب النخبة المثقفة التي تعبر عن هموم الشارع ومشاكله وفي ظل غياب نظام اعلامي قوي وفعال يكشف التجاوزات ويراقب السلطات الثلاث يبقى التحالف المالي السياسي مسيطراً على مجريات الامور بدون مواجهة او مقاومة من قبل اية قوة في المجتمع حيث ان هذه القوى او القوى المضادة بلغة السياسة لا توجد اساساً. من هنا اذن فإنه لا يحق لنا ان نلوم غياب او اغتراب المجتمع المدني العربي في الحرب ضد العراق وعدم تحركه وتفاعله مع عدوان جائر يدينه العالم بأسره، المجتمع المدني العربي لا يتوفر على وسائل وشروط ومستلزمات المجتمع المدني القوي الذي من المفروض ان يحكم ويدير ويقرر والذي من المفروض كذلك ان يمثل سلطة الجماهير بل هو السلطة ذاتها. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة