الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 الخذلان العربي للعراق ينبغي ألا يكون مثار دهشة فقبل العراق خذل لبنان وليبيا ومصر، اما الخذلان الاعظم في الماضي والحاضر فهو من نصيب فلسطين. التاريخ العربي المعاصر، يخبرنا بأن التواطؤ العربي مع القوى الاوروبية الاستعمارية خلال الحرب العالمية الاولى هو الذي شجع هذه القوى على اطلاق «وعد بلفور» التي كان بمثابة حجر الاساس لقيام الدولة اليهودية على ارض الشعب العربي الفلسطيني، اما قيام هذه الدولة بالفعل وما رافق ظروف قيامها من مذابح جماعية بحق الشعب الفلسطيني وتشريد بالجملة فقد كان بدوره ثمرة تواطؤ عربي آخر مع نفس القوى الاوروبية، وفي الواقع ان العنوان الاكبر لهذه الصفحة من التاريخ العربي هو «الخيانة». وعندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بزعامة جمال عبدالناصر بعد اربع سنوات من اعلان قيام الدولة الاسرائيلية كان تصحيح هذه الخيانة وما ترتب عليها عمليا من اقوى بواعث هذه الثورة، ولذا كان من المحتم ان تكون الثورة هدفاً لحرب غربية. والى ان رحل عبدالناصر في عام 1970 تعرضت الثورة المصرية لحربين لا يسجل التاريخ في اي منهما أي مشاركة عربية للدفاع عن مصر الناصرية. في الحرب الاولى عام 1956 تعرضت مصر لهجوم ثلاثي الاضلاع قوامه تحالف بريطاني فرنسي مع اسرائيل. وكان المراد في هذه الحرب تحقيق هدف ثلاثي: أولا، إلغاء ترتيبات تأميم قناة السويس بعد الاطاحة بنظام عبدالناصر، كان هذا هدفا بريطانياً فرنسياً، ثانيا، وقف الدعم المصري المسلح للحرب الثورية المسلحة الدائرة آنذاك في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي الاستيطاني. وبطبيعة الحال كان هذا هدفاً فرنسياً. وثالثا، تحجيم دور مصر الناصرية في القضية الفلسطينية وكان هذا بالطبع هدفاً اسرائيلياً. ولم تكتف الزعامات العربية آنذاك بالامتناع عن الانضمام الى الحرب الى جانب مصر.. بل كانت تتمنى ان تهزم الدولة المصرية وان يسقط عبدالناصر وفي الخفاء شاركت هذه الزعامات في دعم العدوان بوسائل غير مباشرة. وعندما وقعت الحرب الثانية على مصر الناصرية في عام 1967 ومعها سوريا والاردن نأت الدول العربية بنفسها وانتظرت حتى هدأت العاصفة لتتبنى قرار «اللاءات الثلاث» في قمة الخرطوم. وينبغي ان نعيد الى الاذهان ان النفوذ الخارجي في العالم العربي تغير ما بين عام 1956 وعام 1967 ففي عام 1956 كانت شمس الاستعمار الاوروبي العالمي المتمثل بصورة رئيسية في الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية قد هبطت الى ادنى خط افقي ايذانا بغيابها. وبحلول عام 1967 كان عهد الهيمنة الاميركية في العالم العربي قد اكتمل، وبالتالي انتقل ثقل الدعم الخارجي لاسرائيل من اوروبا الى الولايات المتحدة. عام 1982 يمثل علامة كبرى اخرى في تاريخ الخذلان العربي.. فهو العام الذي اجتاحت فيه اسرائيل للمرة الاولى منذ قيامها في عام 1948 عاصمة عربية. ورغم جسامة هذا الحدث وخطورته إلا ان الدول العربية تركت العاصمة اللبنانية بيروت لمصيرها. ورغم الطبيعة الاستثنائية لهذا الحدث ـ من حيث انه الاول من نوعه ـ إلا انه لم يقع خارج السياق التاريخي العام للمنطقة، فقد استشعرت اسرائيل قدراً عظيماً من الاطمئنان للاقدام على المغامرة اللبنانية بعد ان جرى تحييد الدور المصري نهائياً في الصراع العربي الاسرائيلي بموجب معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية لعام 1979. كان للاجتياح الاسرائيلي الحربي الكاسح للبنان في صيف عام 1982 هدفان نجحت اسرائيل في تحقيق احدهما وفشلت في الثاني. كان الهدف الاول تصفية وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بشقيه التنظيمي والعسكري.. وانتهى الامر كما اريد له بمغادرة عرفات وكوادره القيادية الاراضي اللبنانية نهائياً الى مقر جديد في تونس، وشتت القوات المقاتلة الفلسطينية بين دول عربية اخرى.. وبعد هذا الخروج الفلسطيني الكبير جرى ذبح اكثر من الف مدني فلسطيني في معسكري صبرا وشاتيلا على ايدي كوادر ميليشا «الكتائب» اللبنانية المارونية بالتواطؤ مع القوات الاسرائيلية الغازية بقيادة الجنرال ارييل شارون. جرى كل هذا على مدى شهور من حركة الاجتياح الاسرائيلي والحكومات العربية تتخذ موقف التفرج. وكان الهدف الثاني للاجتياح قلب موازين الحرب الاهلية اللبنانية لصالح الجانب المسيحي الماروني تمهيدا لانشاء دويلة مارونية تتحالف مع اسرائيل. وليس بوسع اي زعامة عربية ـ سوى الزعامة السورية ـ ان تدعي انها ساهمت في افشال هذا المشروع الاسرائيلي. والسؤال الذي يطرح الآن: هل تغير شيء منذ ضرب لبنان؟ بالطبع يطرح السؤال بمناسبة ضرب العراق، وهنا لا يخلو الامر من مفارقة، اذ نرى القوة الاوروبية الاستعمارية القديمة فرنسا تتقدم صفوف معارضة عالمية ضد ضرب العراق في تناقض حاد وفاضح مع مشهد الخذلان العربي.