الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 ما الذي جعل الرئيس الأميركي جورج بوش يقرر فجأة، وهو يستعد لبدء حربه على العراق، «الافراج» عن «خريطة الطريقة» التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية في شأن انهاء الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، بعدما احتجزها لديه عدة اشهر استجابة لرغبة الحكومة الاسرائيلية؟ ومع ان الرئيس بوش ربط الاعلان عن قراره المفاجئ باختيار محمود عباس (ابو مازن) رئيسا للحكومة الفلسطينية الجديدة، وهو المنصب المستحدث لدى السلطة الوطنية الفلسطينية.لكن هذا المفهوم لدى مختلف المراقبين والمحللين ان الادارة الاميركية ستكون منشغلة تماما، من الآن وحتى موعد يصعب تقديره، بعملية غزو العراق وتطوراتها المفتوحة على جميع الاحتمالات. وبالاضافة الى ذلك، فان التحليلات السابقة كانت جميعها التقت عند الاعتقاد بوجود اتفاق اميركي ـ اسرائيلي على تأجيل كل بحث جدي يتعلق بتسوية القضية الفلسطينية الى ما بعد الانتهاء من حرب العراق وظهور نتائجها الحاسمة، بحيث يجري توظيف هذه النتائج، اذا ما جاءت لمصلحة الولايات المتحدة، في تحديد شكل التسوية ومضمونها وفقا للشروط الاسرائيلية وحدها، ومن دون اي مراعاة لا لحقوق الشعب الفلسطيني ولا لرغبات الدول العربية وتوسلاتها. وتأكيدا لما ذهب اليه المحللون في هذا الشأن فقد رفضت الادارة الاميركية المساعي التي بذلتها الاطراف الثلاثة الممثلة في اللجنة الرباعية «الى جانب الولايات المتحدة»، وهي روسيا والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة، على مدى الاسابيع الماضية، لاعلان خريطة الطريق في صورة رسمية ومطالبة الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني بتحمل مسئولياتهما حيالها، واختارت، بدلاً من ذلك، مواصلة التنسيق المنفرد مع الحكومة الاسرائيلية. مناورة سياسية وعلى هذا، فان الاستنتاج الذي يمكن الخروج به من هذا التطور الجديد هو ان الاعلان المفاجئ للرئيس الأميركي ليس سوى مناورة سياسية يراد عبرها تحقيق مجموعة من الاهداف، الانية والبعيدة المدى، أبرزها: ـ أولا، من الناحية الشكلية، فان اختيار هذا الوقت بالذات، اي قبل ايام قليلة من بدء الحرب على العراق، لاعلان الوعد بـ «الافراج» عن «خريطة الطريق»، انما يراد منه ان يكون الحدث جزءا من وسائل الحرب ذاتها للتأثير على مواقف الاطراف الرئيسية المعنية بالقضية الفلسطينية وبالحرب معا، وهي الدول العربية. وقد سبق للرئيس بوش في خطابه في 27 فبراير الماضي، ان قال «نهاية النظام الحالي في العراق ستوفر فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية تعيش بسلام الى جانب اسرائيل»، واضاف انه «توجب على الحكومة الاسرائيلية الجديدة من ناحيتها، بعد ازالة التهديد الارهابي وتحسن وضعها الأمني، ان تدعم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة». ونظراً لأن هذا التصريح كان اثار انتقادات عنيفة لدى جهات عدة، عربية ودولية، فقد تحاشى الرئيس الأميركي ان يجدد في خطابه الأخير، هذا الربط المباشر بين الموضوع العراقي والموضوع الفلسطيني. ومع ذلك فقد رأى فيه المراقبون محاولة اخرى لتعميم هذا التوجه على أمل ان يترك اثره المطلوب لدى الدول المهتمة بوضع حد للصراع العربي ـ الاسرائيلي وانهاء معاناة الشعب الفلسطيني. خدمة لبلير وشارون ـ ثانيا، رأى العديد من المحللين ان الرئيس بوش اراد اسداء خدمة لرئيس الحكومة البريطانية توني بلير، المهتم هو الآخر بالموضوع الفلسطيني، لتعزيز رصيده السياسي داخل بريطانيا ومساعدته على الخروج من المأزق الذي يواجهه نتيجة لمعارضة اغلبية الشعب البريطاني السياسة الحكومية المتمثلة بالاندفاع الشديد للمشاركة في الحرب على العراق. وبالفعل فقد دلت مسارعة بلير الى عقد مؤتمر صحفي، في اعقاب اعلان الرئيس بوش «المفاجيء» لتأكيد تبنيه الموقف الاميركي واظهار حسناته. ان اعلان الرئيس الاميركي انما تم بالتنسيق مع رئيس الحكومة البريطانية وربما بطلب منه، ومن أجل تحقيق الفائدة المطلوبة فقد اجرى بلير اتصالين هاتفين، الاول مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والثاني مع رئيس الحكومة الفلسطينية «المعين» محمود عباس لتهنئته بمنصبه الجديد، والهدف من كل ذلك هو اقناع «من يهمه الامر» بان توني بلير مازال يستطيع ان يقدم مساهمات ايجابية لانهاء نزاعات الشرق الاوسط، لاسيما النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، حتى لا يستمر التركيز على الموضوع العراقي وحده. ثالثا: الى جانب ان خطاب الرئيس بوش الاخير اتسم بالعموميات ولم يتضمن التزاما محددا لتحقيق تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية، باستثناء الكلام المكرر عن ضرورة «قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة» فهو ركز على ما يسميه «الارهاب الفلسطيني» رابطا بين صلاحيات رئيس الحكومة الفلسطينية و«وقف الارهاب» وهو الموقف ذاته الذي تعتمده الحكومة الاسرائيلية. رابعا: لم يطرح الرئيس بوش «خريطة الطريق» باعتبارها وثيقة ملزمة للطرفين ويرتبط تنفيذها بجدول زمني، وانما كأفكار واقتراحات مطروحة للنقاش والتفاوض بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، اي انه يخضع المسألة من جديد الى ميزان القوى القائم بين الطرفين. وتتجلى خطورة هذه المسألة في كلام شارون المتكرر عن رفضه الالتزام ببنود «خريطة الطريق» كما وضعتها اللجنة الرباعية، وتأكيده ان لديه مئة تعديل عليها حتى تصبح صالحة للتنفيذ من وجهة نظره. وتشمل تعديلات شارون، التي يعتبرها بمثابة شروط وقف ما يسميه «الارهاب الفلسطيني» قبل الدخول في اي بحث مع الحكومة الجديدة حول مضمون «خريطة الطريق» او غيرها وكذلك فرض قيود مشددة على «سيادة» الدولة الفلسطينية الموعودة بما يجعلها مؤقتة ومنزوعة السلاح وتسيطر اسرائيل على كل منافذها الحدودية، برا وبحرا، وعلى مجالها الجوي، كما تمنع من عقد اتفاقات او تحالفات مع اي دول معادية للدولة الاسرائيلية. ويشترط شارون ايضا ان يسبق موافقة اسرائيل على حل «الدولتين» صدور اعلان فلسطيني بالتنازل عن حق عودة اللاجئين كما يطلب شطب العبارة الواردة في الخطة الدولية والتي تدعو اسرائيل «لوقف العنف والتحريض ضد الفلسطينيين». وثمة نقطة اكثر اهمية، ضمن نقاط شارون المئة، مفادها ان اسرائيل ترفض الالتزام باي جدول زمني يتعلق بتنفيذ الخطة كما تريد حصر مسئولية الاشراف على التنفيذ بالولايات المتحدة وحدها وفي حين ان «خريطة الطريق» تعتبر هذه المسئولية مشتركة بين الاطراف الاربعة الممثلة في اللجنة الدولية، كما تقترح الاستعانة بمراقبين دوليين وهو الامر الذي يعارضه الاسرائيليون تماما، قياسا على تجارب عديدة سابقة ووفقا لتأكيدات مستمرة. النوايا السيئة خامسا: يتضح من اعلان الرئيس بوش، ومن المواقف المعلنة للمسئولين الاسرائيليين ان جميع هؤلاء يتمترسون حاليا حول ما يسمونه «صلاحيات رئيس الحكومة الفلسطينية» وحدود قدرته على التصرف بمفرده وثمة من يعتقد ان القصد من ذلك تحقيق هدفين متلازمين: الاول، انتزاع صلاحيات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بكاملها وتحويله الى رئيس صوري لا حول له ولا قوة وسيسهل عند ذلك حملة على الخروج من الاراضي الفلسطينية بما يؤدي عمليا الى وضع نهاية لحياته السياسية والثاني: احداث شرخ واسع وعميق داخل القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني من خلال مشكلة اسمها «صلاحيات رئيس الحكومة» وهناك من يرى انه حتى لو حصل «ابو مازن» على اوسع الصلاحيات ستظل اسرائيل تشكك في ذلك، سواء من حيث المبدأ او كلما اتخذ رئيس الحكومة الفلسطينية موقفا يناقض رغبتها ويتعارض مع توجهاتها ولذا ستبقى هذه المشكلة قائمة دائما بحيث تتعمد اسرائيل استخدامها كذريعة لعدم تنفيذ التزاماتها في اطار اي تسوية يتم الوصول اليها. ويمكن القول حيال ذلك ان «تفعيل» صلاحيات رئيس الحكومة الفلسطينية انما يتم تحت تأثير حملة الضغط الاميركية ـ الاسرائيلية (وخطاب بوش الاخير احدى ادواتها)، لا حسب مقتضيات المصلحة الوطنية الفلسطينية فاسرائيل تريد ان يصبح المسئول الفلسطيني وكأنه تابع لها ويأتمر باوامرها. ومؤشرات هذا التربص انه برغم ان اختيار ابو مازن رئيسا للحكومة الفلسطينية لقي ترحيبا مبدئيا لدى المسئولين الاسرائيليين لكنه تعرض في الوقت ذاته لحملة انتقادات عنيفة بسبب تصريح صحفي كان ادلى به قبل ثلاثة اسابيع وذكر فيه انه يميز بين الاعمال التفجيرية ضد المدنيين داخل اسرائيل، واعمال المقاومة التي تحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وقد جاء في ذلك التصريح انه «اذا دخل اسرائيلي بيتك واراد ان يبني مستوطنة فوق ارض فان من حقك ان تقاوم» وبسبب حساسية الموضوع فقد شارك في الحملة على المسئول الفلسطيني كل من رئيس الدولة الاسرائيلية موشيه كتساف ووزير الخارجية سلفان شالوم بالاضافة الى عدد من جنرالات الجيش. ووفقا للتصريحات الصادرة عن المسئولين الاسرائيليين بمن فيهم ارييل شارون وعدد من وزرائه المتطرفين فان ما تريده اسرائيل من رئيس الحكومة الفلسطينية هو التعامل مع منظمات المقاومة ومنها منظمة فتح «التي ينتمي اليها ابو مازن، باعتبارها منظمات ارهابية فيحظرها حظرا كاملا ويعتقل قادتها وابرز ناشطيها وينزع سلاحها ويدمر بناها التحتية وبما ان ذلك لن يحدث على النحو المطلوب يتوقع ان تتحول موجة الترحيب الاسرائيلية بالتغيير الفلسطيني الى حملة مضادة عاجلا أم آجلا ما يعيد الامور الى نقطة الصفر. يتفق المحللون حاليا على ان القضية الفلسطينية ستظل وحتى اشعار آخر، اسيرة الوضع الذي تسمح فيه الادارة الاميركية لاسرائيل بالتصرف على هواها في الاراضي المحتلة، فتقتل وتدمر وتخرب وتمارس الارهاب بأبشع صوره ضد الفلسطينيين من دون اي مساءلة. كما تجد اسرائيل ان ليس من مصلحتها ابرام تسوية نهائية قبل حسم الحرب الاميركية على العراق فان الفلسطينيين لا يرون ايضا ان ابرام تسوية نهائية في الظروف راهنة يخدم مصلحتهم ويحقق اهدافهم في اي شكل من الاشكال. وليس من شك في ان نتائج الحرب على العراق هي التي ستقرر شكل التسوية الاسرائيلية ـ الفلسطينية ومضمونها مهما يكن رأي الذين يفضلون ان لا يحدث تلازم بين القضيتين. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا