الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 الهزيمة التي يُمنى بها المدافعون عن العدالة هذه الايام تعتبر بكل المقاييس كارثة غير مسبوقة في حركة الصراع الأزلي بين الاقوياء والضعفاء،، والتي سجلها التاريخ في صفحاته السوداء وتركها ارثا كريها يثبت وحشية الانسان وجبروته حين يتجرد من الضمير، وينساق وراء الرغبة الآثمة في الاطاحة بالضعيف، واستلاب رزقه ومقدراته، بل وازهاق روحه متى ما تهيأت الفرصة وسنحت الاقدار!! وما الانسحاب الذي ترصده الحياة للمنتمين الى لواء المعارضة للبربرية الاميركية الا انذار مبكر بسنوات عجاف ستنزل بأرض الضعفاء، وتحصد في طريقها بقايا الكرامة الانسانية المهدورة على يد الكبار من أكلة الحقوق، اولئك الذين قفزوا فوق الثوابت، وأطاحوا بمحاولات السيطرة على بربرية الانسان في زمن اصبح فيه للظالم صولات وجولات وارتفعت راياته فوق رايات خصومه. في مثل هذا الزمن الحالك يتضاءل شعور الضعفاء بجدوى المقاومة، وتنهار معنوياتهم، ويطلقون صافرات الانذار المبكر معلنين الموت السريري لمشاريع الصمود، ولمحاولات حفظ ماء الوجه التي باءت بالفشل الذريع، ومنيت بخسائر اضعفت الهمم، وجردت الانسان من اقوى وسائله الدفاعية وهي معنوياته وايمانه بقدرته على السيطرة على المواقف الصعبة، والتكيف مع الظروف القاهرة من خلال استيعاب الدروس الجادة التي توفرها الاختناقات والازمات السياسية، ويبعثها التحدي ويولدها العنف المضاد. والانسياق وراء المخاوف، والسير بعيدا مع الحسابات الخاسرة والآراء التيئيسية التي تبشر بنهاية العالم، واقتراب عصر الغاب بوحشيته ودمويته وروحه الاستئصالية لن يفيدنا بشيء، ولن يبعث فينا الرغبة للقيام بما هو مطلوب منا. كما ان ميزان القوة المادية رغم اهميته في حسم المواقف العسكرية لا يستطيع ان يلغي ارادة الحياة من النفوس القوية، ولا يقدر ـ مهما استعرض ذخيرته الحية ـ ان يجهز على الايمان بقدرة هذه الامة على استئناف رحلتها نحو تحقيق الذات، وان كتبت او هزمت او اصابها الوهن والضعف، فالتاريخ لم يقل كلمته بعد لانه مازال يكتب. ولم ينزل حكمه بعد لانه مازال يروي شهادته، ولم يحدد صورة المستقبل القادم بعد لانه يسير وفق وتيرة الزمن ويدور مع الاحداث حيث تدور. ومن الظلم للنفس ان تسود ثقافة الرعب حتى تمنع التفكير، وتشل الطاقة، فالهزيمة النفسية اسوأ بكثير من اي ضغط خارجي. والخوف ما دخل قلبا الا وافقده الرؤية الصحيحة للاشياء من حوله، واوهن عزيمة صاحبه وتركه فريسة للوهن والعجز. والخوف رسول الفشل في السلم وفي الحرب معا وطريق ممهد امام الطغيان ليعربد كيفما يشاء في مأمن من اي محاولة للنهوض والحركة!! كما ان الاصوات التي لا تبشر الا بالهزيمة ينبغي ان تبحث في وسط الركام عن بارقة امل لانه لولا الرجاء لما عاش الانسان، ولولا ثقته بقدرته على التحدي لما استمر يقارع الحياة بكل ما يملك من وسائل مشروعة، وادوات يمنحه استخدامها شعوراً عاليا بالثقة بالنفس، وايمانا بان الاخذ بأسبابها هو الخيار الوحيد للبقاء وليس التماوت واليأس. وما تراكم المحاولات الدفاعية عن الذات التي ابدعها الانسان منذ بداية وجوده على الارض الا دليل على ان الهزيمة العسكرية ليست نهاية التاريخ بل ربما كانت بدايته. وان الفشل في مقاومة الظلم لا يعني موت امة بل ربما حياتها من جديد. وكم من براعم صغيرة نتجت عن الاشجار التي ماتت واقفة وقاومت المناخ القاسي، ونمت من جديد، فأثبتت انها فوق التحديات واكبر من قسوة الزمن. ان الذين سدوا باب الذرائع امام محاولات التيئيس هم وحدهم من يتحركون نحو الغد، اما اليائسون فقد خرجوا من دائرة الافعال وردود الافعال وعجزوا عن رؤية ما وراء اللحظة الحاضرة، والحدث الماثل للعيان. مريم عبدالله النعيمي