الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش «الرصاصة المميتة» على الدبلوماسية الدولية. لن نقول الرصاصة «الأخيرة» ، لأن من يتابع فصول الأزمة العراقية من بدايتها، سيدرك على الفور أن الولايات المتحدة كانت تعد العدة لعدوانها على العراق لتنفيذ مخططاتها التي لا نعرف تفاصيلها بالكامل إلا بعد أن ينشر الأميركيون الدمار والخراب فوق ربوع أرض الرافدين. هذا المخطط، مصدق عليه من قبل صقور الإدارة الأميركية قبل صدور القرار الدولي رقم 1441 الذي ظن العالم أن قبول بغداد به سينزع فتيل الأزمة. إن اغتيال الدبلوماسية على يد الرئيس الأميركي فجر أمس.. هو عمل مدبر ومع سبق الإصرار والترصد. وإذا افترضنا أن أميركا كانت حسنة النية قبل صدور القرار رقم 1441، فإن ما شاهدناه منذ وصول المفتشين الدوليين إلى العراق، كان يؤكد أن واشنطن عاقدة العزم على ضرب العراق. لقد قدمت بغداد تنازلات لا حصر له لتجنب الحرب. القرار نفسه ـ 1441 ـ وصفناه من قبل بأنه قرار استفزازي ينال من سيادة العراق، ومع ذلك قبلته بغداد لأنه جاء بإجماع الإرادة الدولية ممثلة في مجلس الأمن. وكان آخر التنازلات العراقية بشأن عمل المفتشين هو الموافقة على تدمير العشرات من صواريخ «الصمود 2» رغم أن مداها لا يمثل تهديداً لأحد، ولكن كانت حجة المفتشين أن هناك بضعة كيلومترات تزيد على المدى المقرر وهو 150 كيلومتراً. إن العراق وهو على موعد مع الحرب والدمار كان مستجيباً لكل ما هو مطلوب منه من قبل المفتشين الدوليين، وهنا يكمن سر الموقف الشجاع الذي اتخذته فرنسا وألمانيا وروسيا بشأن الأزمة، فقد أجمعت هذه الدول على أن عمل المفتشين لم يكتمل، ولم نسمع من أية دولة من هذه الدول الكبرى ما يفيد بأن العراق يستحق العقاب أو أنه انتهك القرار 1441. ولذلك تشبّث جاك شيراك الرئيس الفرنسي بموقفه معلناً أمس أن لا شيء يبرر قراراً أحادياً باللجوء إلى الحرب ضد العراق، بل وأكد أن العراق لا يشكل اليوم تهديداً فورياً يبرر حرباً فورية. إن أميركا المقبلة على عدوان ضد العراق الشقيق تدوس على كل القيم الدولية وستتسبب في انعدام نظام الأمن الدولي. إن لجوءها إلى الحرب بلا غطاء دولي، يلحق الضرر بالأمم المتحدة بل ويجعلها بلا قيمة أو معنى. ويكفي أن نتساءل ولدينا الرد: من يحاسب أميركا على عملية اغتيال الدبلوماسية الدولية؟.. ومن يحاسبها بخروجها على الشرعية؟ للأسف.. لا أحد.. فهذا القطب الأوحد والقوة العظمى المنفردة بكل الأسلحة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجيا الفائقة التقدم. أميركا التي نراها أمامنا.. بلا قلب. جنّبت الضمير، لتحقيق مطامعها رغم أنف العالم.