الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 ثمة حاجة الى الحنين! الحنين لا يكون الا صوب المولي، الفائت، الماضي. الحنين للماضي والخوف من المستقبل لأنه مجهول لم يأت بعد،أما الحاضر فيحاوره الانسان، اللحظة الآنية تحوي اللحظة المولية من خلال الذكرى، أي استعادتها بالمخيلة. والآتية من خلال توقعها، والانسان دائما يتصور ان الاجمل والأفضل هو ما ليس بمتناوله، دائما يذم حاضره ويمدح ماضيه ويأمل في الآتي خيراً. الحنين دائما موجود، خاصة اذا عز الشيء وندر، وليس مثل الزمن عزيز مفتقد، فهذا هو الوحيد الذي لا يمكن استعادته من عناصر الوجود.وخلال العقود الأخيرة لاحظت ظهور عدة عناصر تجسد حالة الحنين، بينها تلك الدوريات التي صدرت في مصر بمبادرات فردية وتجسد تلك الحالة. خاصة الحنين الى الزمن القريب نسبيا والذي لم يعاصره تماما أولئك الذين تخطوا سن الخمسين، بالتحديد الى مصر ما قبل ثورة يوليو، أي العصر الملكي. منذ حوالي خمسة عشر عاما، ترجم كتاب عن الملك فاروق الى العربية، وضعه أحد أقاربه، فوجئت بحجم النسخ الموزعة منه، تجاوزت المئتي الف، كنت على صلة وقتئذ بادارة النشر بدار «أخبار اليوم»، أيقنت ان ثمة سببا مختلفا عن الحملة الاعلانية القوية التي تبث عبر صحف الدار الشعبية، واسعة الانتشار، رحت أتقصى.. وبعد جهد أدركت أحد أهم العناصر، تلك المجموعة النادرة من الصور الفوتوغرافية التي ينشر بعضها لأول مرة، والآخر بعد نسيان طويل، وكلها تلتقط لحظات مختلفة من مصر الملكية، من عصري فؤاد وفاروق، فؤاد أبعد، أما فاروق فأدركه معظم أبناء جيلي، وفيما يتعلق به كان جزءا من الذاكرة المطموسة، بل ويمكن القول، الملعونة. كانت صورته الرسمية اذا ظهرت في الأفلام القديمة، نرى على الجدران التي حملتها خطوطا متقاطعة، خطوط الكشط التي تشكل بقعة ممحوة صغيرة، كانت تظهر دائما في مشاهد المكاتب الرسمية وأقسام الشرطة أو المقاهي، كان الحذف غشيما، واضحا، وكان ساذجا أيضا، فالكبار الذين أدركوا العصر الملكي يعرفون ان مكان هذا الحذف صورة الملك السابق. أما الصغار الذين لم يدركوه فيسألون الكبار، عندئذ يقولون لهم: «انه الملك فاروق». من الدوريات الجميلة التي أتابعها منذ سنوات مجلة نحيلة، تقوم على الحنين، انها مجلة «أوراق مصرية» التي يصدرها شابان هما أحمد كمالي وعمرو ابراهيم. عرفت بدايات هذه المجلة عندما كانا يوزعانها بأيديهما، وتابعت جهدهما بدأب، ذلك الجهد الذي بدا لي بريئا، وليس الحنين السياسي الى عصر بعينه لانتماءات طبقية أو فكرية،وليس من موقع الادعاء أيضا، فثمة ظاهرة لاحظتها خلال العقدين الأخيرين، انها التمسح بالعائلة المالكة القديمة من قبل الادعياء الجدد من محدثي الثراء الذين يفتقدون الأصول العريقة، فيدعي بعضهم قرابة نائية عبر تلافيف لا نهاية لها من الصلات، تنتهي الى أحد الأشخاص الواقفين عند الاطراف من العائلة المالكة السابقة. لا يقتصر جهد هذين الصديقين على استثارة الحنين بشكل خاص الى الحقبة الملكية انما يمتد الى العصر بأكمله، ولعل استعراضا لمادة العدد الأخير يوضح ما أقصده. يضم العدد ملفات، الأول، وثائق الحياة اليومية في مصر، من خلال شهادات الميلاد، والتخرج من المدارس، والترقية، والتراخيص بمزاولة المهن، أي من خلال الوثائق التي تدعو افتتاحية العدد الى الاهتمام بها من خلال انشاء مكان أو دار يطلق عليه «تراث الاجداد» تودع فيه الوثائق الخاصة بالأسر من شهادات وايصالات وقسائم زواج أو طلاق، وتلك دعوة وجيهة نأمل ان تتحقق يوما ليس بالنسبة لمصر فقط ولكن لكل بلد عربي أو أجنبي، فما يتبقى من الانسان أوراق وحاجات، تشير الى وجود عابر انقضى. يتصدر الملف الأول شهادة اتمام الدراسة الابتدائية للطالب رشاد محمد مصطفى كمالي، المولود في طهطا سنة 1934 الميلادية، وفي نفس العدد نقرأ نعيا لوفاة رشاد كمالي، رئيس مجلس دار النشر التي تصدر «أيام مصرية» الشهادة مطبوعة في المطبعة الأميرية، اطارها مزخرف بوحدات عربية جميلة،واسم الطالب مكتوب بخط جميل. وثيقة أخرى لجواز سفر مصري صادر باسم محمود أسعد بك. الجواز مكتوب باللغتين الانجليزية والعربية بعكس الحاضر الذي تستخدم فيه اللغة الفرنسية الى جانب اللغة العربية، ثمة اشارة الى الزوجة اذا كانت مسافرة معه.. مع تعليمات بين قوسين تنص على ضرورة كتابة اسم الزوجة قبل زوجها اذا كانت مسافرة معه، وأمام الجنسية مكتوب: مصري التبعية. الجواز صادر عن وزارة الداخلية، ادارة عموم الأمن العام، بتوقيع المحافظ، سنة أربع وعشرين من القرن الماضي، ويلاحظ ان جوازات السفر الآن تصدر عن وزارة الخارجية. على الجواز مكتوب: «نطلب ونرجو من موظفي الحكومة المصرية وممثلي صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى في الخارج ومن كل من له اختصاص ان يسمحوا لحامل هذا بحرية المرور من غير توان، ومع تذليل كل صعوبة في سبيله وأن يبذلوا كل ما يحتاج اليه من مساعدة ورعاية». العبارة المكتوبة الآن في زمننا هذا، نصها كالتالي: «يرجو وزير الخارجية من جميع المختصين ان يسمحوا لحامل هذا الجواز بالمرور وأن يبذلوا له العون والرعاية عند الاقتضاء». ثم نرى ونقرأ وثيقة أخرى، عبارة عن شهادة عسكرية صادرة من وزارة الحربية والبحرية «الجيش المصري» باسم الباشجاويش عازر ميخائيل حنا، بسلاح بلوكات خفر الأقاليم، درجة أخلاقه: جيدة جدا. من ناحية، طهنا الجبل، مركز المنيا، مديرية المنيا. أما أوصافه فتنص الشهادة على انه قمحي، طوله 174 سنتيمترا، حواجبه: مفتوحة، سنه: 19 سنة، قرعة: 1925. ثم تشهد وزارة الحربية والبحرية بأن صاحب الشهادة خدم خدمة حقيقية بالجيش العامل لمدة خمس سنوات ونقل الى الرديف «أي الاحتياط»، وهكذا تنتهي مدة خدمته بالجيش ويصبح حكمه كالأهالي في 15/11/1937 ، الشهادة موقعة من الأميرآلاي (رتبة عميد الآن) محمد راتب. أتوقف كثيرا أمام هذه الوثيقة أو ما شابهها. لو ان الباشجاويش عازر ميخائيل حنا يعيش حتى الآن لقارب عمره المئة عام، فعندما تم تجنيده عام 1925 لابد انه كان في حدود الثامنة عشر، في عام 1937 استرد وضعه المدني، أصبح يعامل كالأهالي، كما تنص الشهادة ولو انه توفي فلابد ان هيكله العظمي يرقد الآن في ثرى مصر مفككا أو متصلا، طوله مئة وأربعة وسبعين سنتيمترا. من هو؟ ما أشواقه؟ بمن تزوج؟ من أنجب؟ تلك اسئلة تحتاج الى رحلة بحث أخرى، المهم لدينا في «أوراق مصرية» ورقة ـ وثيقة، تشير الى حياة انسانية كاملة. الملف الثاني يتضمن وثائق تتعلق بيهود مصر، وهؤلاء كان لهم دور مهم في الحياة الاقتصادية بمصر، برزت من بينهم أسماء شهيرة، مثل قطاوي، موجري، منشه، رولو، داود عدس، ومن عائلة قطاوي قرأت كتابا لرينيه قطاوي عن الحالة الاقتصادية في مصر، وأحد أفرادها أصبح وزيرا، ومن عائلة رولو عرفت الصحفي الفرنسي الشهير مصري الأصل أيريك رولو، والذي عين خلال حكم الرئيس ميتران سفيرا لفرنسا في تونس. أما داود عدس فعرفته كاسم مجموعة من المحال التجارية، كان أحدها في شارع الأزهر، وهو الذي أدخل نظام البيع بالتقسيط في مصر للموظفين، وقد حدث منذ عشر سنوات ان نزلت فندقا قرب ميدان الجمهورية بمدينة باريس، الفندق متوسط، اختارته لي مؤسسة ثقافية كنت ضيفا عليها، وذات صباح عند انصرافي قابلت على الباب رجلا وسيما. ملامحه تمت الى الشرق بشكل ما. «صباح الخير».. قالها بعربية سليمة لكن بنطق خاص. رديت التحية، قال لي: «أنا مصري».. ثم قال لي تابعا: «أنت أول مصري ينزل عندي».. ثم قال: «أنا سعيد جدا».. ثم ذكر اسمه «يوسف عدس». قلت متسائلا: «هل تمت بصلة الى داود عدس؟». قال مبتسما: «أنا ابنه». صافحته مرحبا، وخلال اقامتي أبدى ودا خاصا، كان يحرص على المجيء مبكرا ليجلس الى مائدتي عند الافطار، انه مالك الفندق، تذكرت ابتسامته وذكرياته الحميمة عن مصر وملامحه التي لا تشي بسنه المقارب للسبعين، تذكرته عندما قرأت وثيقة في «أيام مصرية» عنوانها «داود عدس وولده بالحمزاوي بوكالة مراتشي». مازال المحل موجودا لكن تغير اسمه، والوثيقة الخاصة بشراء بضاعته باقية في « أيام مصرية». أما ولده فهناك في باريس، وقدر لي ان أقابله واتعرف عليه.