الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 لأكثر من عشرة أعوام صدرت في شرق العالم وغربه أدبيات ودراسات تتناول بالتحليل والاستشراف ما يسمى بـ «النظام العالمي الجديد»، فمنذ أن أعلن جورج بوش الأب ميلاد هذا النظام عقب «عاصفة الصحراء» وهو موضوع اهتمام شديد ربما زاحمته فيه بعد قليل «العولمة». وقد انصب القسم الأكثر من الكتابات عن النظام العالمي الجديد على الدولة (القومية أو الوطنية) وحدود سيادتها، وبالقدر نفسه الشكل الذي ينتظر أن تستقر عليه علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالدول الأخرى واحتمالية ظهور قطب ـ أو أقطاب أخرى ـ على الساحة الدولية. وإجمالا لم تحظ الأمم المتحدة بالقدر الكافي من الاهتمام باستشراف مستقبلها، ولكن الأزمة العراقية تكفلت بطرح القضية بقدر كبير من الإلحاح. التاريخ يعيد نفسه أم يستعاد؟ قد يكون مما يقتضيه التجرد أن تزال هالة التضخيم التي تضفيها الولايات المتحدة وحليفاتها على حالة الانقسام التي يشهدها مجلس الأمن بشأن الأزمة العراقية ومدى مشروعية استخدام القوة لحلها بوصفه مقدمة لانهيار وشيك للمنظمة الدولية، لكن مصيرها رغم ذلك يظل محل تساؤل. وأبرز ما في المشهد الراهن التغير الملحوظ في الموقف العربي من هذه المنظمة الدولية التي طالما أطلق عليها في الخطاب السياسي العربي أحكام بالإعدام من خلال وصفها بأوصاف سلبية مثل: «الأمم المتحدة الأميركية» و«الأمم المتحدة الصهيونية»... إلخ، فهي أوصاف كانت تعني وضعها ضمن قائمة الأعداء. والأزمة العراقية والمطالبات العربية المتكررة بأن تحل المشكلة من خلال هذه المنظمة الدولية كان يعني تحولا ملموسا يشير إلى أنها يمكن أن تكون حائط صد قوي في وجه مشروعات الهيمنة إذا تحسن الأداء الديبلوماسي العربي فيها. وفي سياق التلويح بتجاوز المنظمة الدولية استدعى الخطاب الرسمي الأميركي صورة «عصبة الأمم» التي أنشئت عقب الحرب العالمية الأولى وانهارت عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية للذاكرة، من ناحية لتمارس ضغطا على حلفائها الذين يعارضون المنطق الأميركي لحل الأزمة، ومن ناحية أخرى لتمهد لاحتمال أن تتخذ قرارا بشن عدوانها على العراق خارج إطار الشرعية الدولية. ومن التصريحات الرسمية الأميركية المبكرة في هذا الشأن ما قاله بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي في مقابلة مع هيئة الإذاعة الأميركية دارت في معظمها حول حرب محتملة ضد العراق. فقد قال تعليقاً على الانقسام الذي يشهده مجلس الأمن حالياً: لقد «أصبح هذا، من أوجه كثيرة، اختباراً للأمم المتحدة. وأرجو أن تنجح فيه. أرجو ألا تضع نفسها في نفس الفئة التي صنفت عصبة الأمم نفسها فيها في الثلاثينات من القرن الماضي بأنها غير قادرة على تأدية الدور الذي ينبغي عليها أن تؤديه». وخلال الأشهر القليلة الماضية تكررت مطالبة جورج بوش لمجلس الأمن بإصدار قرار قوي بشأن العراق بشكل تبدو معه المنظمة الدولية كما لو كانت جزءا من الإدارة الأميركية. وقد انتقلت اللهجة المتشائمة المحذرة إلى الجانب الآخر من الأطلسي حيث اعتبر وزير الخارجية الهولندي ياب دي هوب شيفير (الخميس 6 مارس) أن فيتو فرنسيا ضد قرار بريطاني أميركي حول العراق «سيفجر الأمم المتحدة» !! . وقال لوكالة الأنباء الهولندية إن «استعمال فرنسا حق النقض (الفيتو) من شأنه أن يفجر ما هو غالٍ علينا جميعا أي الأمم المتحدة». وفي اليوم التالي لتصريحات الوزير الهولندي توقعت صحيفة كرسيتيان ساينس مونيتور الأميركية (الجمعة 7 مارس)، أن يأتي التقرير الذي يرفعه لمجلس الأمن هانز بليكس كبير مفتشي الأمم المتحدة على الأسلحة في العراق (باهتاً)، الأمر الذي سيعمق انقسام مجلس الأمن على نحو غير مسبوق حول الأزمة العراقية، ما سيترتب عليه ألا تمنح الولايات المتحدة أي اهتمام لنزع السلاح العراقي من خلال آليات الأمم المتحدة، وتقرر خوض غمار حرب ضد العراق دون تفويض من الأمم المتحدة. وهو الأمر الذي يعتبره العديد من المراقبين في واشنطن (والكلام على عهدة الصحيفة الأميركية) دليلا على فقدان المؤسسة الأممية قدرتها على مواجهة التحديات الصعبة، ومن ثم لن يكون مصير المنظمة الدولية أفضل من سابقتها «عصبة الأمم»، لافتين إلى أنه يتشكل في رحم المشهد السياسي العالمي خارطة تحالفات جديدة من شأنها أن تفرز منظومة أممية مختلفة، قد تكون هي البديل الأحدث للأمم المتحدة، وتقوم على أنقاضها في ضوء ما ستسفر عنه نتائج العمل العسكري الأميركي الذي بدا الآن وشيكاً على العراق، أكثر من أي وقت مضى. وبطبيعة الحال يصعب تصور أن ما يحدث يستهدف نزع أسلحة العراق وحسب بل يكاد يكون إرهاصا لعملية لإعادة ترتيب أوضاع العالم لا تقل خطورة عما أعقب الحرب العالمية الثانية، ومثل هذه التغييرات التي يتوقع البعض أن تشمل أنظمة عربية أخرى وأن تستغل للقيام بعملية تهجير كبرى للفلسطينيين خارج أرضهم، وصولا إلى هدم منظمة الأمم المتحدة لبناء منظمة أخرى على النحو الذي تشير إليه الجريدة الأميركية. هذا التصور الذي ينطوي على مغامرة كبيرة يجعل العدوان الوشيك على العراق جديرا بأن يوصف بأنه «حرب عالمية» جديدة. ـ كاتب مصري