الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 حالة أحلام اليقظة تصيب الافراد كما تصيب الأمم، فبإمكان كل منا ان يحلم وعيناه مفتوحتان. بل ان علماء النفس، وامامهم سجموند فرويد يعتقدون في استحالة الحياة بدون احلام اليقظة، فهي كالأحلام اثناء النوم ضرورية للتنفيس عن كرب وتفجير طاقة والتعويض عن نقص ومساءلة العقل الباطن والانتقام من خصم وارضاء غريزة، الى ما هناك في قاموس علم النفس التحليلي من مصطلحات يعرفها الاطباء النفسيون عز المعرفة. هذا على صعيد شخص واحد، ولكن نفس احلام اليقظة تصاب بها أمة من الأمم في لحظات قلقة متوترة من تاريخها، وهي احلام لها نفس الدوافع من التنفيس عن كرب قاهر وتفجير طاقات كامنة والتعويض عن نقصٍ معيق واستدعاء العقل التاريخي الباطن والانتقام من خصم عنيد وارضاء لغرائز جماعية كبتها وضعنا المهين. وهذه هي حالة العرب اليوم من محيطهم الى خليجهم. لكن أحلام اليقظة لدينا ربما انتقلت من حالة طبيعية تدافع بها الكيانات الباطنة عن صحتها وبقائها الى حالة مرضية مستعصية على النطاسيين، وقد جاءت عبارة احلام اليقظة على لسان الزميل المهندس خالد سلمان الخاطر في المناظرة السياسية والحضارية التي جمعته بالسيدة توجان الفيصل باحدى قاعات الشيراتون الاسبوع الماضي في مدنية الدوحة حول محور العلاقات العربية الاميركية، والتي ادارها بذكاء الزميل الدكتور حمد عبدالعزيز الكواري وزير الاعلام السابق لدولة قطر. وبعدما تحدثت توجان الفيصل بحماس واقتناع قام الزميل خالد بمحاولة تفكيك آلية التفكير العربية الراهنة المعتمدة على شعارات قديمة قد تخدر الجسد العربي وتشل حركته، للتقدم بمنظور متجدد لطبيعة الصراع الحالي، وانا أوافق تماما على ان قضية العرب الاولى هي اصلاح مؤسساتهم السياسية واقرار المشاركة الشعبية وتطوير اداء العقل العربي خارج القوالب الايديولوجية الجاهزة التي حوصر فيها هذا العقل على مدى نصف قرن من الاخطاء المتراكمة والاحباطات الموجعة. هذه كما قال خالد سلمان الاولوية العربية الحقيقية لنكون أمة فاعلة فيما بعد لحل قضية فلسطين ثم الدخول الى منظومة التاريخ ـ او منظومة العولمة ـ كأمة حضارية يتناسب حجمها مع: اولاً حجم تاريخها العظيم، وثانيا حجم طاقاتها وثرواتها وعقولها وهي على اعتاب القرن الحادي والعشرين، وثالثا حجم التحديات الكبرى المطروحة على طريقها. ولكن عوض احتلال منزلتها تحت شمس العالم الجديد المعلن نراها تلجأ لأحلام اليقظة التي ليست بالأحلام الايجابية السليمة، بل الاحلام المرضية المؤدية الى انفصام الشخصية العربية والدخول بالهذيان الايديولوجي منطقة الهلوسة ومن اعراض هذه الهلوسة تمسك بعض انظمة «الجمهوريات» العربية بما يسمى «قيادة مجلس الثورة ... !» مما أصبح محل تندر وضحك حتى الاستلقاء في اوساط العالم الديمقراطي، وأية ثورة هذه التي تقوم ذات يوم اغبر في الخمسينيات او الستينيات وتظل صامدة كالقلعة الشماء طول ما يبقى الرئيس القائد الملهم في السلطة. وكذلك من احلام اليقظة ان نظل معتقدين بأننا خير أمة اخرجت للناس دون الالتزام بشرط الآية الكريمة التي ربطت بين هذا التميز في الخير وبين ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وإلا سقط التمييز. فنحن العرب في ذيل قائمة النهضة بكل معانيها: نستهلك ما ينتجه الآخرون تقريبا في جميع مجالات الحياة، من الخبز للطائرة ومن إبرة الخياط الى «سكانر» المستشفى .. ونحن أمة لم تقض بعد على الأمية ولم تخصص للبحث العلمي اكثر من صفر فاصل صفر فاصل واحد. ونحن امة لا نزال نصدر عقولنا للغرب ونصدر كفاءاتنا للهجرة ولم نحاول دراسة هذه الظاهرة المتمكنة بنزاهة وأمانة. ونحن أمة ليس بين دولها تعاون بينيّ قائم على التكامل وتنسيق الجهود، حتى ان ارقام المبادلات التجارية بين كل دولة من دولنا واميركا والاتحاد الاوروبي تفوق عشرات المرات ارقام المبادلات التجارية بين بعضنا البعض. نحن امة تلعب دائما في الوقت الضائع .. واحسن مثل على ذلك قبول ياسر عرفات بتعيين رئيس حكومة بعد عامين من الضغوط .. فأخذ القرار بعد ان استنفد كل الحيل والمراوغات ... حتى يصطف مع مباديء العولمة الجديدة ... وهذه المباديء أحببنا أم كرهنا تضع على قمّتها مبدأ الحرية بكل معانيها الفلسفية والسياسية والدستورية. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر