الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 سواء اندلعت الحرب الوشيكة ام لا، يبدو ان مستجدات عديدة ستبقى رهينة هذه التطورات، وستكون هذه الحرب بداية لواقع جديد... واقع يتشكل بعيداً عما يجري وتتناقله وسائل الاعلام من تصريحات ملتهبة ومتشددة. فالحرب وان صادف وقوعها استقطاباً ـ كما يبدو الآن ـ فانها تفضي الى تبدل في معطيات النظام الدولي. ولعل القفز الى هذا الاستنتاج لم يكن من باب التمني او الهروب الى الامام ولكن بقراءة متأنية للتاريخ والقريب منه على وجه الخصوص نجد انفسنا في مواجهة هذه الحقيقة. فمنذ بداية القرن المنصرم وحتى نهايته شهد العالم تحولات عديدة في البنيان الدولي وهو ما يعرف بترتيب وحدات النظام الدولي «الدول والاختلاف»، فقد تأرجح بين انظمة كالقطبية الاحادية حيث يتميز البنيان الاحادي بقدر كبير من تركز الموارد في دولة واحدة او مجموعة متجانسة من الدول، وبين القطبية الثنائية حيث يتركز النفوذ في قطبين رئيسيين، وذلك بسبب تركز توزيع القوى بين دولتين او كتلتين كبيرتين، وثالثة ذات نظام متعدد الاقطاب بوجود مجموعة من الدول او الاقطاب التي تملك موارد وامكانيات اقتصادية متكافئة. اننا لا نحتاج الى جهد كبير في تحديد هذه الامكانيات التي من المفترض ان تتوفر سواء في الدولة او الكتلة القطب، فلقد حدد منهج قياس قوة الدولة في اطار نظرية توازن القوى مجموعة من العوامل المادية والمعنوية، فهي في الاولى تشتمل على القدرة الاقتصادية، والحيوية، والعسكرية، والسياسية. وفي الثانية تشتمل على كيفية توظيف العوامل المادية في اطارها وهو ما قد يفسر بتعظيم استثمار العوامل المعنوية التي تشكل الارادة القومية، الاهداف الاستراتيجية، والقدرة الدبلوماسية. وبالعودة الى التاريخ وهو المعين لنا لاستشراف الماضي فالتاريخ كثيراً ما يعيد نفسه، فمنذ 1904 شهد القرن تحولا حاسماً نحو القطبية الثنائية، وذلك بعد الوفاق الودي البريطاني، الفرنسي، الروسي، الذي هدف من انشائه الى انهاء الهيمنة الالمانية على القارة الاوروبية بعد تكوين حلف يضم كل من «المانيا والنمسا والمجر وايطاليا» ونتيجة لتطورات عدة والتعارض الجذري بين المصالح الحيوية للقطبين المنافسين اندلعت الحرب العالمية الاولى والتي اسفرت نتائجها عن تغيير جوهري في طبيعة السياسة الدولية وعناصر النسق العالمي والبنيان الدولي، فاختل التوازن الدولي الثنائي ونشأ نظام جديد من الاحلاف بين الدول والثانية والتي تميزت بالاستقطاب العالمي الثنائي والسياسات التوسعية لدول المحور «المانيا، ايطاليا، اليابان» ومجموعة الحلفاء «بريطانيا، فرنسا» كرست هذه القطبية اثناء الحرب العالمية الثانية مما اسهم في تعميق التناقض بين القطبين، مما ادى الى نتائج من ضمنها تدمير اوروبا، وتضعضع دورها في السياسة الدولية، وبروز النور الاميركي ووراثته للنفوذ الاوروبي، وتعاظم دور الحركات المدعومة من الاتحاد السوفييتي. كذلك يمكن التركيز على المرحلة بين 19451991م وهي مرحلة القطبية الثنائية حيث تميز هذا العصر بتغيير التوازن الدولي من توازن القوى التقليدي الى توازن الرعب بين المعسكرين، وكان ارتباط كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بمجموعة من الدول في اطار نظام الاحلاف الدولية منشأ لكتلتين عالميتين. ونتيجة للتطورات اللاحقة فقد كانت نهاية هذه الفترة في 1991م وهو عام حرب تحرير الكويت حيث سبقها احداث لعل من اهمها نهاية الحرب الباردة والكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي، ولقد شهدت نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم هذه التحولات المهمة، ففي ديسمبر 1991م والذي شهد تفكك الاتحاد السوفييتي تحولت «دول الجماعة الاوروبية» الى الاتحاد الاوروبي بموجب معاهدة ماسترخت وكان جوهر التحول هو الانتقال الى صيغة الاتحاد الاوروبي بحيث تصبح الدول الاعضاء في الاتحاد ساحة اقتصادية موحدة. ان المحصلة النهائية لهذه التحولات الجذرية هو ظهور واقع جديد. ولعل الآراء التي اختلفت إزاء تكون نظام عالمي جديد سواء كونه ترتيبات جديدة بعد الحرب الباردة او حالة اللانظام او السيولة، ولكن المعطيات الواضحة تفضي الى ان نظاماً احادي القطبية قد نشأ منذ 1991م، وذهب بعض الدارسين «فوكاياما» في كتابة «نهاية التاريخ» الى توقع ان المنظومة الفكرية والنظامية «الرأسمالية ـ الليبرالية» ستسود حتى نهاية التطور التاريخي. ولكن الواقع لا تحكمه الأمنيات، فبالرغم من محاولات الولايات المتحدة فرض واقع جديد سواء من خلال امكانياتها الهائلة خاصة في المجالين العسكري والاقتصادي، اضافة الى قدرتها على توظيف هذه الامكانيات من خلال تفوق علمي وتقني، وجعل العصر يصطبغ بصبغتها من خلال عولمة الاقتصاد وربط المصالح وتشابكها بما يخدم الهدف نفسه، ولكن تبقى للآخرين محاولاتهم المشروعة في بناء عالم بعيد عن الاحتكار والانفرادية. ولعل الازمة الحالية تنبيء عن بداية عصر جديد، فهاهي ما اطلق عليه رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي بأوروبا القديمة تحاول استعادة دور غابر من خلال تحرك فرنسي ـ ألماني باعتبارهما الدولتين المحوريتين في اوروبا نحو ايجاد عالم يكون لاوروبا به مكان على قدر امكانياتها وتطلعاتها، خاصة بعد تجربة «حرب البوسنة» وترددها في اتخاذ مواقف حاسمة، وقدرة الاميركان على حسم الصراع بعد تدخلهم، ولكن بعد سنوات عدة تبدو الفرصة اكثر من مناسبة، فهناك واقع جديد، وظرف دولي مناسب لتأكيد الدور الاوروبي ـ رغم ان بعض دولة تقف مع الضفة الأخرى من الأطلسي ـ ولعل الدعم الكبير الذي يحظى هذا الموقف من قبل الرأي العام العالمي، يساعد كثيراً في القيام به. ومن جانب اخر يبدو ان روسيا والصين ورغم تردد الأخيرة في تبني موقف واضح للازمة، وكأنها تنتظر نتائج ما قد تسفر عنه التطورات، قد بدت في تبني مواقف تفضي الى اخذ دور اكبر بروزاً وأقل تحفظاً من السابق، ذلك ان ما تهدف اليه الولايات المتحدة من حربها المحتملة اكثر مما يثيره الاعلام ويطرحه المسئولون الأميركيون، وهذا ما تفهمه «فرنسا، المانيا» وكذلك «روسيا والصين». فالمصالح الدولية تتعرض لاخطار جسيمة، ومحاولات الانفراد بالقرار الدولي بعيداً عن الأمم المتحدة مع محاولات تأكيد استمرارية الوضع منذ اوائل التسعينيات وزيادة حدته، وما قد يفضي اليه من واقع قد يستمر لسنوات بل ولعقود عدة. وقد كانت الفرص اكثر من سانحة للولايات المتحدة الأميركية وهذا ما استثمرته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، خاصة في ظل الصمت الذي لم يستطع احد ان يخترقه وهو ما أدى الى حرب افغانستان وما تلاها. ولكن تطورات الاحداث الحالية أوجدت واقعاً جديداً استطاع من خلاله لاعبون جدد، واخرون ينتظرون على الخط للقيام بدور في محاولة لكسر الاحتكار والانفرادية في القرار الدولي، ومن هنا فإن الحرب المحتملة سواء وقعت ام لم تقع فإنها تبدو بداية تشكل أقطاب على صعيد البنيان الدولي وان كانت على شكل محاولات قد يكتب لها النجاح وقد لا يكتب. ـ أمين عام المجلس الوطني