الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 بمراهنتها على خيار الحرب على العراق تكون الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش قد عزلت نفسها عن العالم، وباشعالها الحرب فعلا تكون قد بلغت نقطة اللاعودة، فسوف تخسر أميركا شرعيتها الدولية إلى الأبد كدولة عظمى تتزعم العالم. هذه هي الحرب الأولى من نوعها في تاريخ الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، فكل الحروب الأميركية السابقة كانت الولايات المتحدة تتمتع فيها بدعم غربي أو دولي أو كليهما. في الحرب العالمية الثانية كانت القوات الأميركية تقاتل ضمن تحالف عالمي يضم بريطانيا والاتحاد السوفييتي وكندا واستراليا والمستعمرات البريطانية، والحرب الأميركية في شبه الجزيرة الكورية خلال النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي كانت مدعومة بمساندة غربية، وحتى الحرب الأميركية العدوانية على فيتنام كانت تؤيدها في مراحلها الأولى على الأقل مجموعة من الدول الغربية، وعندما شنت اميركا حرب الخليج على العراق في مطلع التسعينيات كانت قواتها طليعة لقوات تمثل ائتلافا عالميا من 29 دولة، والحرب الأميركية على يوغسلافيا في آواخر التسعينيات شنت باسم الحلف الأطلسي، وكذلك كانت الحرب القريبة على افغانستان. وطوال الحقبة الزمنية الطويلة التي دارت خلالها كل هذه الحروب كانت الادارات الأميركية المتعاقبة تتمتع بتأييد شعبي شامل داخل الولايات المتحدة.. إذا استثنينا المرحلة الأخيرة من الحرب الفيتنامية. الآن.. وإزاء الحرب ضد العراق يختلف الأمر تماما الى درجة التناقض الكامل. فهذه حرب لا تتوازى فيها المعارضة الغربية من حيث الشراسة إلا مع المعارضة العالمية الأشمل.. ولا تتوازى فيها شراسة هاتين المعارضتين إلا مع المعارضة الشعبية المتعاظمة داخل الولايات المتحدة نفسها. تأسيسا على هذه الحقيقة الجليلة فان اميركا سوف تخسر حربها على العراق حتى لو كسبتها، فربما تحقق ادارة بوش أهدافها العسكرية من وراء هذه الحرب لكن خسائرها السياسية الاستراتيجية على المدى الطويل سوف تكون من الجسامة والتأثير المستديم بحيث ان هذه الدولة العظمى الأولى سوف تفقد نهائيا مكانتها وهيبتها في زعامة العالم، والشواهد على ذلك نراها تتجمع على الأفق حتى قبل إطلاق أول صاروخ توماهوك على بغداد. أول هذه الشواهد انه ثبت الآن من خلال الحرب الدبلوماسية الحامية على صعيد الأمم المتحدة التي منيت فيها الولايات المتحدة بهزيمة حاسمة ومن خلال انفضاض حكومات الغرب والعالم من حول الإدارة الأميركية.. ومن خلال المظاهرات العملاقة التي جابت شوارع العالم من أقصاه إلى أقصاه وما تبعها من استطلاعات رأي أن العالم لم يعد ينظر إلى الولايات المتحدة بعين احترام وتهيب. لقد زال الاحترام والتهيب ليحل محله غضب وتحد. خلال فترة وجيزة، بل وقياسية، بات العالم الآن ينظر الى اميركا، لا كقوة ديمقراطية عظمى، وإنما كوحش بدائي ينبغي ان يتضافر الجميع لردعه. أول ضحايا الحرب على العراق سيكون التحالف الغربي ـ أو بالأحرى ما تبقى منه، بتجاهل رؤية الحلفاء الغربيين وأخذ موقفهم المعارض في الاعتبار سددت إدارة بوش ضربة قوية إلى الحلف الأطلسي، وإطلاق أول صاروخ أميركي على بغداد سيعني إطلاق الرصاصة الأخيرة على الحلف الأطلسي. ونستطيع ان نتصور بعد ذلك ملامح صورة الغد القريب. بذهاب الحلف الأطلسي سوف تفقد الولايات المتحدة اي سند أوروبي لاستراتيجيتها الدولية.. وبتجاهلها الشرعية الدولية سوف تفقد الولايات المتحدة نفوذها التقليدي في الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي. ولقد رأينا في المعركة الدبلوماسية الطويلة الحامية حول العراق كيف كشرت القوى الدولية الأخرى عن أنياب الفيتو من ناحية وكيف أن دولا صغيرة مثل المكسيك وشيلي وغينيا والكاميرون أخذت تتعلم كيف تتجاسر على الولايات المتحدة. وجنبا إلى جنب مع تلاشي الشرعية الدولية للولايات المتحدة وفقدانها الزعامة العالمية سوف نرى الاتحاد الأوروبي ينهض بقوة لملء هذا الفراغ ليتحول الى القوة الدولية الأولى. وسوف نرى القوى الدولية الأخرى ـ روسيا والصين تحديدا ـ تصطف في جبهة واحدة من ورائها قوى العالم الثالث المؤثرة مثل ماليزيا في مواجهة الولايات المتحدة تعبيرا عن تيار الكراهية العالمية العارم الذي أخذ ينتظم شعوب العالم ضد اميركا. بايجاز نقول ان الحرب الأميركية على العراق سوف تدخل التاريخ كحد فاصل إيذانا بمرحلة عالمية جديدة. كانت الحرب العالمية الثانية الحد الفاصل الذي أفرز مرحلة الصراع الايديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وما نتج عن الصراع من حرب باردة بين الغرب والشرق. وكان انهيار المعسكر الاشتراكي إيذانا بانفراد المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة بالسيطرة العالمية تحت اسم «النظام العالمي الجديد». والآن فان الحرب على العراق تبدو إيذانا بفرز جديد كارهاص لانكماش النفوذ الأميركي ليفسح المجال لمرحلة عالم متعدد الأقطاب.