الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 على خشبة مسرح كازينو لبنان يعرض الفنان منصور الرحباني مسرحيته الجيدة، وهي مسرحية غنائية بالغة الدلالة في هذا الوقت العربي العصيب، وتحمل عنوان (ملوك الطوائف) على افتراض أن أحداث تلك المسرحية تقع على ارض الأندلس العربية قبل أن يغادرها العرب مطرودين من ملوك الأسبان، وتشاء الصدف أن يكون عدد ملوك الطوائف وقتها اثنين وعشرين ملكا، كعدد الدول العربية اليوم!. الإسقاطات في هذه المسرحية كثيرة ومتعددة التي يخرج بها المشاهد، بعد أن يحضر العمل الذي يمتد لثلاث ساعات تقريبا، مصحوبا بمجموعة رائعة من ألاغاني و اللوحات الفنية الراقصة و المغناة، تشدو فيها الجماعة في احد المناظر الرائعة بالقول: (إذا راح الَملك بيجي ملك غيره، وإذا راح الوطن ما في وطن غيره!) هذه الجملة تواصلت في ذهني بتحقيق صحفي نقل من على ارض الواقع، كتبه احد الصحفيين العرب الشبان، ونشر في جريدة الأهرام القاهرية، في الحادي عشر من هذا الشهر، والكاتب هو طارق حسن،و التحقيق يتحدث عن الوطن الذي يكاد أن يذهب وعنوانه (أيام بغداد الأخيرة قبل أن تدوي المدافع) يصف فيه كشاهد عيان الوضع الذي وصل إليه الإنسان العراقي اليوم تحت ظل حكم الفرد، كثرة فقيرة معدمة، تفتقد الوطن بالمعنى الرمزي له، وقلة متمتعة بزخرف الدنيا، وسلطان القوة تقوم بنحر الوطن على رؤوس الأشهاد، وذبح الوطن هو في مصادرة حق أفراده في الحرية من جهة أو تعريضه للمخاطر القاصمة من جهة أخرى. تحقيق صحفي وعلى كثرة ما كتب عن بغداد وأحوالها في الآونة الأخيرة، لم أقرأ لعربي أو أعجمي مثل هذا التحقيق النابض بالحياة و المعبر عن مشاهدات صحفي صادق مع نفسه، يصف الكاتب بقلم رشيق ما تتمتع به القلة في بغداد، ويناقش ما يحدث في منطقة (عرصات الهندية) و لم يكن قد مر بي هذا الاسم من قبل، وقد تبين إنها إحدى مناطق بغداد، فيقول الكاتب، وأنا انقل عنه دون تحريف: (إن منطقة عرصات الهندية تثير حزن وخوف أهالي بغداد، وعلى الرغم من أن المنطقة هي احد أحياء بغداد القديمة، إلا أنها أصبحت تمثل قلعة للفئة التي يسميها أهل بغداد ( أغنياء الحصار و الحرب) (وتمثل هذه الفئة القاعدة التحتية لكبار رجال حزب البعث و الحكومة و الجيش في العراق، الذين يرمزون إليهم باسم التكارته، نسبة إلى تكريت مسقط رأس صدام حسين، ومنبت عائلته المتحكمة بالبلاد الآن ومنذ سنوات طويلة). ويذهب التحقيق الصحفي ليقول ( أن الأهالي يشيرون إلى بعض أسماء هذه الفئة،التي تحظى بكراهية من جانبهم، مثل طه ياسين رمضان، وطارق عزيز ومحمد مهدى صالح) ثم يصف الكاتب ما يحدث في عرصات الهندية فيقول: ( مع اقتراب ساعات الليل تبدأ عرصات الهندية في استعراضها اليومي والوحشي داخل بغداد، الشارع الذي يمتد طوليا يزدان بالأضواء، والألوان الفاقعة، ويزدحم بافخم أنواع السيارات التي يهبط منها رجال وشبان صغار، الذين يرتدون من الملابس ارقى الموضات الأوروبية بمرافقة نساء تفوح منهن أغلى أنواع العطور الباريسية، وديكورات المحلات التجارية و المطاعم غربية، وبعضها بأسماء عربية، تبيع الملابس و الأجهزة و السجاير وكافة أنواع السيجار باهظة الثمن)! ويذهب الكاتب للقول: ( عرصات الهندية ليس لها علاقة بالحصار، وتبدو كمنطقة محررة من القيود الثقيلة المفروضة على اغلب العراقيين، وخارجة عن قواعد الحملة الإيمانية التي يفرضها الرئيس العراقي على المواطنين منذ خمس سنوات تقريبا، ففي ساعات النهار يتسلل إليها فئات من الشباب بمصاحبة شابات لممارسة سلوكيات الحب و العشق داخل مطاعمها الساكنة، والتي لا يسائل القائمون عليها أحدا عن سلوكه، ومدى انسياقها مع الحملة الإيمانية للرئيس). ثم يصف الكاتب رأي أهل بغداد في عرصات الهندية فيكتب: ( بعض أهل بغداد يسمي عرصات الهندية نيويورك، ربما لأنه يعتقد أنها تماثل الحياة في تلك المدينة الأمريكية الشهيرة، لكن العائلات البغدادية القديمة ذات الطابع المحافظ تطلق عليها اسم شيكاغو، المدينة الأميركية التي اشتهرت بسطوة العصابات المسلحة، وكنت اعتقد أن هذه الأوصاف مبالغات من الناس، حتى رأيت بنفسي شابا مصحوبا بشلة من الأولاد و البنات على مائدة بأحد مطاعم عرصات الهندية، ومسدساتهم محشوة تتدلى من خلف بنطلونات الجينز التي يرتدونها، وبعد رحيلهم اخذ صاحب المطعم يبث مر الشكوى من الشاب، فقد اخذ منه أشياء عديدة من ممتلكات المطعم لأنها أعجبته، وليس بامكانه الاعتراض على رغباته، وعندما سألته من هو أجاب، أن أباه هو ابن عم الرئيس!) بين صورتين ويصف الكاتب طارق حسن في تحقيقه المطول عن بغداد انه تعرف على احد العراقيين الذي نصحه أن يلتقي به بعيدا عن الأعين حتى يريه بغداد الحقيقية، فقال له عندما تأتيني لا تستأجر سيارة أجرة من التي تقف أمام الفندق، فهذه تابعة للمخابرات، وبعد مغامرة يصفها الكاتب بالتفصيل، يلتقي بصديقه الشاب الذي يأخذه إلى احد أحياء بغداد الشعبية ليرى بعينه ويسمع بإذنه، فيقول الكاتب وأنا انقل هنا حرفيا ما نشره في جريدته العربية واسعة الانتشار ( وفي العبيدي) الحي الشعبي البغدادي (قابلت عراقيين لا يردفون اسم صدام حسين بدعاء حفظه الله ورعاه كما هو مفروض على السنة العراقيين بمجرد ذكر اسمه، انهم لا يعتبرونه أيضا سيد الكلمة كما تقول عنه جريدة الزوراء التي يصدرها عدي صدام حسين، ولا سيد التحدي كما تصفه الجرائد الرسمية، وليس كذلك بألقابه الرسمية كالمنصور بالله و المجاهد و المناضل، انه بالنسبة إليهم المسئول عن حياتهم البائسة، والقصص والروايات هنا أليمة ومشحونة بالحقد والكفر الوطني.. سألوني هل تقيم في بغداد على حسابك أم تستضيفك الحكومة من أموالنا، فطمأنهم رفيقي أني لست من هذه الفئة، قالوا لماذا يتظاهرون في الخارج، أن هذه المظاهرات لا تسائل إن كان صدام سيستمر في حكمه لنا هو وعائلته أم لا، فليأت الشيطان كي يخلصنا منه). لا أستطيع أن انقل فيما اكتبه هنا كل ما نشره ذلك التحقيق الشجاع والموضوعي الذي نشره هذا الصحفي المصري الشاب، الذي فضل أن يمارس مهنته الحقيقية في نقل الصورة طبق الأصل لقرائه مما شاهد وسمع في بغداد في هذا الوقت العصيب، وهو كما قلت سابقا تحقيق نشر الأسبوع الماضي، وأشرت إلى تاريخه لمن يريد أن يستزيد، ولعلي أقول أن الكاتب نقل الصورتين، صورة البذخ من جهة و الفاقة من جهة أخرى في بغداد اليوم، و هو ربط غير مباشر بما حدث لملوك الطوائف في الأندلس العربية التي شخصها منصور الرحباني في رائعته التي تعرض في بيروت، فحكم الطغاة عندما يزول العدل منه تزول مبررات بقائه، وعندما يذهب الحاكم يأتي حاكم غيره، ولكن عندما يذهب الوطن بحرمان مواطنيه من الحرية لا يوجد بديل عنه! فهل يذهب ( الملك في بغداد) ليبقى الوطن؟ ذلك سؤال المستقبل و ليس سؤال التاريخ. ـ كاتب كويتي