الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 أشرنا البارحة الى خطورة الاستماع الى موضوعات جادة دون ان يشترك مع هذا الاصغاء رغبة في التطبيق وتنفيذ المهام المترتبة على معرفة افضل الممارسات في ابواب المعرفة التربوية والانسانية المختلفة. وقد افرز استبعاد المسئولية الفردية من التحرك نحو اهداف عملية اثر المشاركة في حضور المؤتمرات والبرامج التدريبية والمحاضرات العامة والمتخصصة شريحة هائلة العدد من المستمعين ممن لديهم «ثقافة سمعية جيدة» مصحوبة بمشاعر الرضى والاعجاب بالنفس بكم المعلومات التي تيسرت دون عناء، وتهيأت دون جهد ملحوظ، وحسبوا ان تلك الغنائم الباردة اقصى ما يمكنهم الحصول عليه، وارقى ما قد يصلهم من مفاهيم، وبسبب ذلك الخلط في تصور طبيعة العلاقة بين الفرد والثقافة الشاملة غاب عنهم ان المعرفة السمعية شيء والتطبيق العملي شيء آخر. ان استسهال اخذ المعلومات بالطريقة الشفوية قلص هامش العمل الايجابي واوصله الى الحدود الدنيا سواء كان ذلك في الميدان التعليمي او في الميادين الاخرى التي تتطلب قدراً من التمكن العلمي، وعزماً على الالتزام بمطالب العمل من كفاءة مهنية وتميز اخلاقي كشرط للتفوق والانجاز. والذين جعلوا الاستماع المصدر الوحيد للتلقي المعرفي جهلوا الفرق بين «الوعي للمسئولية» و«الوعي لمجرد الترف الذهني» واختلط عليهم الامران بصورة يؤسف لها. فالوعي للمسئولية هو مفهوم حضاري يخاطب الفرد بكونه اداة فعالة من ادوات التغيير، ويضع في عنقه امانة فائقة الاهمية بحكم كونه عنصراً قادراً على العمل الايجابي متى ما زود بمعلومات ومفاهيم تهدف الى تطويره وتفعيل وجوده. بينما يغيب هذا البعد الحضاري لدى فئة المستمعين لمجرد الترف الذهني، والتخمة المعلوماتية في نوع او اكثر من انواع المعرفة الانسانية، حيث يضعف الشعور بالمسئولية الفردية، ويرضى الفرد بدور جامع المعلومات عن طريق الاستماع طمعاً في ان ينفي عن نفسه تهمة الجهل والتأخر عن الاقران، بينما نسي مثل هذا الفرد ان الجهل المرعب ليس في الغفلة عن بعض المعلومات وتفويت فرص المشاركة في بعض اللقاءات الحوارية انما الجهل الحقيقي في تكريس الخطأ، والاستمرار في تكرار السلوك السلبي رغم المعرفة النظرية بفداحة هذا السلوك!! ان غياب الوعي باهمية اجراء تغيير داخلي يضبط سلوك الفرد وفق الايقاع الذي بثته المعارف التي تلقاها وهو في حالة من السبات الذهني، والغفلة عما هو آت امر ينبغي التصدي له من قبل المهتمين بقضايا التنمية الاجتماعية والبشرية حيث ان الجهل بسنن التغيير الاجتماعي لن ينتج جمهوراً قادراً على التحرك في الاتجاه الصحيح!! وعليه، فلابد من الاعتراف ان مجمل خسائرنا على مستوى المؤسسات الرسمية والاهلية لم تأت بسبب نقص المعلومات في الهيكلة الادارية الامثل، او في طرق التعامل بين مجموعات العمل المختلفة، انما جاءتنا الويلات من الاصرار على السلوك السلبي، والخصام مع الافكار الاصلاحية، والمفاهيم الخلاقة التي تطالب الفرد ـ قبل سواه ـ ان يبدأ بنفسه، وان يلزمها بافضل الممارسات بغض النظر عن سلوك الآخرين ومدى اقترابهم او ابتعادهم عن المثل التي آمنت بها الآذان ورفضتها الجوارح!! ومن ابشع ما يمكن ان يشوه الفرد من الداخل ان يشترط حصول التغيير من الآخرين ليتحرك هو في المرحلة التالية، وبدلا من ان يكون احد رواد التغيير في بيئته الخاصة ومحيطه الاجتماعي، يمارس سياسة انتظار ما ستسفر عنه الايام المقبلة بغض النظر عن امكانية الحصول على هذا الدفع الجماعي الذي اصبح مطلبا عسير المنال!! العبرة اذن ليست بتوفر المعلومة او بغيابها انما العبرة بالقابلية لهضم المعلومة النافعة والاستعداد النفسي لدفع الثمن المطلوب لرؤيتها واقعا حيا يشهد على جدارة هذا الانسان للتطور ومصداقيته الاخلاقية في التعامل مع الافكار والمفاهيم. وما لم يصل الفرد الى هذا المستوى من الوعي اثناء التعامل مع المعلومات التي تصل اليه عن طريق المشاهدة او الاستماع فان الحكم على مثل هذا الفرد بالخمول وعدم الاستعداد لدفع ضريبة التميز يصبح امراً مفهوما خاصة واننا جميعاً نتفق على ان الاعتراف بوجود الخلل اجدى من المداهنة والرياء والتجمل القبيح!!