الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 أخيرا تذكر السيد بوش الصغير شيئا يسمى «خارطة الطريق» بعد ان صممها وفصّلها على هوى الصهاينة ومع ذلك سارعوا الى رفضها.. ومن المثير للعجب ان الرئيس الاميركي، الذي كان ينعى على النظام العراقي ربطه بين قضيته والقضية الفلسطينية، اذا به هو نفسه يربط بين القضيتين بعرضه المفاجيء الذي طلع به علينا في بيانه القصير لرشوة الامة العربية وشراء سكوتها، وفي مقدمتها شعب فلسطين «الارهابي» الذي «يرهب» المحبوبة الاميركية اسرائيل، بحجارته وانتفاضته وشهدائه. وليست الامة العربية الوحيدة التي حاول بوش رشوتها، فما زالت الصفقة التركية بين شد وجذب، وما زالت الادارة الاميركية تلوح لبعض النظم العربية وغير العربية بالمساعدات والمعونات والهبات. وما من مرة يتحدث فيها الرئيس الاميركي عن اسلحة الدمار الشامل الا ويغمض عينيه عن اسم محبوبته اسرائيل، وما من مرة يتحدث فيها عن الاسلحة النووية الا ويتغافل عن المساس بدولة الكيان الصهيوني ولو من بعيد. وما اكثر احاديثه التي يتحفنا بها كل يوم حتى سئمنا مفرداتها وعرفناها مقدما قبل ان يتفوه بكلمة، واصبح شيئاً مملا ان ترى دولة تدعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية وهي تبدو ثملة مزهوة بقوتها الهائلة، ويبدو كبار مسئوليها وهم يتباهون بأفتك اسلحتهم واحدثها واخطرها بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا واخلاقيا. واذا عدنا الى حديث المساعدات والهبات الاميركية. لوجدنا ان الادارات الاميركية المتعاقبة تحب دائماً ان تبدو كحامل حقيبة «متروسة» بمليارات الدولارات ليوزع منها على من «يستلطفهم» من الدول خفيفة الظل على قلبه. وليت المسألة بهذه البساطة كما تبدو، ولكن من الواضح ان المساعدات الاميركية لبعض الدول ليست لوجه الله، بل هي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدخل السافر في شئون الدول المحتاجة الداخلية والخارجية بما يضمن لواشنطن تأمين مصالحها السياسية والاقتصادية والامنية والاستراتيجية. اما من تسول له نفسه ان يتمرد او حتى يعترض على هذا التدخل فسوف يجد «الرئيس» يثور غضبا ويصيح مهددا بقطع المعونة، واذا رق قلبه او «قلب» مستشاري البيت الابيض، فانه يكتفي بتخفيض المعونات. وتجمع التقارير الاقتصادية العديدة على ان جزءاً كبيرا من تلك المساعدات المالية الاميركية لبعض الدول النامية او الفقيرة يرتبط بالفساد حيث يتخم المفسدون جيوبهم بالملايين وواشنطن تنظر اليهم سعيدة بهم كل السعادة وهي تبدل اقنعتها الكثيرة، فمرة ترتدي قناع تشجيع القطاع الخاص، او تلبس قناع الدفاع عن الديمقراطية والمطالبين بها، او قناع تشجيع الـ «ان.جي.أو» وهي الحروف الاولى للعبارة الانجليزية التي ابتكرها الاميركيون وهي «المنظمات غير الحكومية» ومع مرور السنين اصبح كل باحث عربي او اجنبي منصف يلاحظ عدة حقائق لا تغيب عن بال احد ومن بينها: ـ 70% تقريبا من المساعدات الاميركية للدولة المحتاجة يعود الى خزانة اميركا نظرا لان واشنطن تشترط استخدام خبراء اميركيين يتقاضون اجورا فلكية، ومواد اميركية، مهما كان ثمنها اغلى من غيرها، بل وشحن المواد والمعدات على السفن والطائرات الاميركية، دون غيرها، وحتى دراسات الجدوى يجب ان تقوم بها مؤسسات اميركية. ونفقات كل هذا تدفع من المعونة، اي ان السادة الاميركيين يأخذون بالشمال اغلب ما يقدمونه باليمين. ـ لا تخفي الادارة الاميركية هدفها المهم من المساعدات وهو ربط الدول المحتاجة باستراتيجية الامن القومي الاميركي حتى لو تعارضت مع مصالح تلك الدول. وتفضح تصرفات جميع الحكومات الاميركية واقوالها وسياساتها المعلنة حقيقة المعونات التي تقدمها للدول المحتاجة نامية أو غير نامية، وهذه الحقيقة السافرة هي ان تلك المعونات هي من اهم اسلحة السياسة الخارجية الاميركية. ـ لم يتم تخصيص اية معونة لتحقيق اهداف استثمارية حقيقية في الدول المتلقية للمعونات الخارجية بحيث تساعدها على تنفيذ خططها التنموية. ومن واقع التجارب السابقة والحالية في بعض الدول التي تتلقى المعونات، نجد ان واشنطن تستغلها لاجبار حكومات تلك الدول على تطويع اقتصادها، او اعادة هيكلة اقتصادها، ليصبح اقتصادا استهلاكيا يفتح اسواقه للواردات الاميركية، الامر الذي زاد، ويزيد تلك الشعوب فقرا. هذه مجرد لمحات غير مفصلة من ترسانة السلاح الاقتصادي الذي توظفه الولايات المتحدة الاميركية لفرض هيمنتها على شعوب الارض، بالاضافة الى ترسانتها الحربية الهائلة