الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 يبدو انه من المنطقي ان نطرح مجموعة من الاسئلة في بداية هذا المقال حول سر اصرار الادارة الاميركية الحالية في تعاملها مع الازمة العراقية بالقوة العسكرية، وذلك قبل الشروع في محاولة الوقوف على اجابتها لعلها تساعدنا في فهم هذه الازمة المعقدة وتداعياتها عربياً واميركياً ودولياً. والسؤال الاول لماذا هذا الاصرار الاميركي على اعلان الحرب على العراق رغم المعارضة الدولية ودون غطاء قانوني من مجلس الامن والامم المتحدة في سابقة تهدد النظام العالمي باسره؟ والسؤال الثاني على ماذا تراهن الادارة الاميركية في موقفها الراهن من العراق؟ هل تراهن على ضعف النظام العراقي وبالتالي تسعى الى تحقيق نصر عسكري سهل وميسور على شعب محاصر منذ ثلاثة عشر عاماً وفي منطقة رخوة تغري بالسيطرة والاقدام؟ وهل السيطرة على منابع النفط في العراق ومنطقة الخليج يستحق تجاهل القانون وارادة المجتمع الدولي؟ وهل يمكن صحيح التحكم في سعر النفط عند حدود اثني عشر دولاراً للبرميل ومن ثم تحقيق انتعاش في الاقتصاد الاميركي الذي يعاني من الكساد والركود؟ وهل حقيقة ان العراق هو بوابة الديمقراطية وقيم الحداثة وحقوق الانسان والليبرالية لدى الشعوب العربية المختلفة والجاهلة من وجهة النظر الاميركية وبالتالي المخاصمة والرافضة لتلك القيم..؟ اما بخصوص لماذا هذا الاصرار الاميركي على استخدام القوة العسكرية ضد العراق دون اعتبار لأي قيم او قانون فإن هذه الحرب هي بمثابة طوق النجاح الاخير للادارة الاميركية الحالية التي ترى ان الحرب هي المخرج الوحيد من ازماتها الداخلية والخارجية خصوصاً وانها تتأهب لفترة ثانية من الانتخابات الرئاسية ويرى ان النجاح في هذه الحرب والقضاء على النظام العراقي الحالي برئاسة صدام حسين هو البوابة الوحيدة لضمان فترة رئاسة ثانية والاستمرار في البيت الابيض لمدة اربع سنوات اخرى خصوصاً وانه دخله لأول مرة بحكم محكمة ونسبة اقل من 50% من اصوات الناخبين وهي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية الذي يعتلي رئيس فيها منصة الرئاسة بحكم حكمة ولهذا يتشبث بفترة ثانية يثبت بها احقيته وجدارته بهذا المنصب ومن اجل هذا الهدف الذي نجح الصقور في الادارة الاميركية الحالية في اقناع الرئيس بوش قليل الخبرة والثقافة والذي سقط في يد مجموعة من غلاة المتطرفين والمتصهينين بهذا الامر وحملوه على الاصرار على مواقفه وعدم ابداء اي مرونة تجاه الحل السلمي او ترك الباب مفتوحاً لحلول وسط للازمة العراقية ويصر دائماً على ان صدام حسين الذي يمتلك اسلحة دمار شامل يمثل تهديداً مباشراً على الامن القومي الاميركي ولابد من التخلص منه بالقوة العسكرية. كما ان في هذه الحرب هروباً من مواجهة المشكلات الداخلية التي تواجه المجتمع الاميركي الذي يعيش حالة من القلق والاضطراب منذ احداث سبتمبر 2001م تقلص بمقتضاها مكاسبه التاريخية في الحرية والامان حيث نجحت الادارة الحالية في تصوير ان هذا المجتمع الذي عاش مئات السنين آمنا اصبح الآن مهددا ومن السهل اصابته في عقر داره من قبل الاشرار الحاقدين على قيم هذا المجتمع ورفاهيته وتقدمه وبالتالي عليه ان يواجه بعض المشكلات الاقتصادية ورفاهيته وتقدمه وبالتالي عليه ان يواجه بعض المشكلات الاقتصادية ويتحمل بعض المتاعب ويتنازل عن جزء من حريته بهدف تحقيق امنه الذي اصبح مهددا من قبل قوى الشر والظلام في العالم. بسط الهيمنة تسعى الادارة الاميركية الحالية لبسط هيمنتها على العالم وتأكيد انها دولة القطب الواحد ومن هنا تحاول بسط نفوذها على جميع المناطق الحيوية في العالم وخصوصا المنطقة من بحر قزوين ومنطقة الخليج العربي وحتى المحيط الهادي وهي منطقة غنية بالنفط والغاز كما انها مواقع استراتيجية مهمة تحيط بالقوى الجديدة في آسيا مثل الصين التي تمثل بعضها تحديا حقيقيا وخطرا على مستقبل الولايات المتحدة الاميركية كدولة القطب الواحد ومن ثم تسعى اميركا إلى تطويق تلك القوة والاقتراب منها خصوصا وان اميركا ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية في اوروبا الشرقية تسعى لاعادة بناء النظام الدولي وفق رؤيتها بما يحقق لها الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية على جميع ارجاء المعمورة كدولة عظمى وحيدة في العالم ومن هنا تسعى إلى ارساء قواعد جديدة في السياسة الدولية وتطويع او تطويق المنظمات الدولية وفقاً للدور الجديد حسب مفاهيم جديدة تناسب طبيعة المرحلة بما يجعلها جميعاً تصب في خدمة دولة القطب الواحد والقوة الوحيدة في العالم. تلك هي الأجندة الاميركية التي أعدتها للمنطقة العربية وإعادة هندستها وتشكيلها من جديد بعد احتلال العراق وهي الوسيلة الوحيدة التي تضمن للرئيس الأميركي وفق رؤية مستشاريه وخبرائه المقربين فترة رئاسية جديدة أوشك ماراثون السباق إليها أن يبتديء من أجل هذا فإن تلك الإدارة ومن أجل ذلك الهدف النبيل..! تراهن على حرب العراق باعتبارها مسألة حياة أو موت ولهذا واضح ان الإدارة الأميركية الحالية في تحديها السافر للشرعية الدولية ممثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة وفي صم آذانها عن صوت الشارع العام عبر قارات العالم الخمس التي خرجت معبرة عن رفضها للتعاطي الأميركي مع الأزمة العراقية والذي توافدت منه الآلاف من أوروبا وأميركا وجميع أنحاء العالم ليكونوا دروعا بشرية في العراق في مواجهة آلة الحرب الأميركية ومن سار على دربها من الأتباع والأعوان وفي تجاهلها للأصوات الرافضة لنهج الإدارة الأميركية الحالية في التعامل مع تلك الأزمة من رؤساء وساسة أميركيين كبار في وزن جيمي كارتر الذي يرى أن الحرب الاميركية على العراق بدون قرار من الأمم المتحدة يمثل خرقا للقانون الدولي وسابقة خطيرة في تاريخ السياسة الأميركية. العدو الحقيقي وهنري كيسنجر الذي يرى أن الإدارة الحالية تصم آذانها عن العدو الحقيقي الذي أعلن تحديه السافر للولايات المتحدة الأميركية وهددها بضرب ثلاث مدن كبار ويمتلك أسلحة نووية وهو كوريا الشمالية وليس العراق هذا علاوة على تحدي تلك الإدارة الأميركية للمجتمع الدولي الذي رفض هذا السلوك الأميركي ابتداء من بابا الفاتيكان الذي أوفد مندوبا الى البيت الابيض يطلب من الرئيس الأميركي السعي لحل سلمي للأزمة العراقية دون اللجوء للقوة العسكرية كما رفضت اتحادات ومجامع الكنائس المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية وهو نفس الموقف الذي اتخذه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ودعا إلى ضرورة الجهاد دفاعاً عن الشعب العراقي والأراضي العراقية وقد ظهر ذلك الرفض الدولي للموقف الأميركي حيال الأزمة العراقية جليا في اجتماع دول عدم الانحياز ممثلة في حوالي 150 دولة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول الكبار في الاتحاد الأوروبي ممثلة في فرنسا وألمانيا وكذلك روسيا وغيرها من الدول شرقا وغربا الذين وقفوا في وجه هذا الصلف الأميركي الذي يتصرف طبقا لمزاج مجموعة يمينية متطرفة يرى المحللون العقلاء في داخل الولايات التحدة أمثال أدوارد سعيد وناعوم شومسكي أن هؤلاء أخطر على اميركا من صدام حسين هذا الموقف الأحمق والمتعطش لسفك دماء الابرياء في العراق لاشباع رغبة عسكرية محمومة وتحقيق نصر يبدو سهل المنال بعد فشل تلك الإدارة في تحقيق أهدافها كاملة في افغانستان فقد وعد الرئيس الأميركي بوش المجتمع الأميركي مراراً بالقبض على ابن لادن والملا عمر أحياء أو أمواتا والقضاء نهائيا على تنظيم القاعدة وحركة طالبان باعتبارهما منظمتين ارهابيتين تمتلآن حقدا وكراهية على المجتمع الأميركي لأنه يمثل نموذج التقدم والرفاهية والديمقراطية التي عجزت المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية عن تحقيق ذلك النموذج وتلك القيم من الرخاء والحرية وحقوق الإنسان فسعت هذه الشعوب باعتبارها شعوباً متخلفة ورجعية فسعت إلى تحطيم أميركا غيرة وحسداً وهذه القيم الأميركية نتيجة طبيعية لثقافة الحداثة والليبرالية والغربية التي تمثلها أميركا في أرقى صورها. تلك هي الرؤية التي يحلم بها صقور الإدارة الأميركية الحالية والتي تجاهد لتنفيذها عنوة وتحاول فرضها على العالم ومن أجل ذلك فإن الحرب على العراق تمثل لتلك الإدارة حصان طروادة الذي تراهن عليه بكل ما تملك من قوة لتحقيق ذلك الحلم متجاهلة نصيحة الأصدقاء والخبراء أما تفنيد تلك الرؤية المشرقة حسب رؤية الإدارة الأميركية الحالية والمخاطر التي تهدد ذلك الحلم والتي من الممكن ان تحوله الى حلم مزعج وبالتالي من الممكن أن تراهن الإدارة على الحصان الخاسر فهذا ما سنناقشه في المقال المقبل إن شاء الله. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات