الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 مشيت فى شوارع بغداد القديمة أطالع وجوه العراقيين المتعبة، والقلقة والمترقبة للحرب، الحياة، تبدو شبه عادية كما كنت أراها فى مرات زياراتى السابقة لبغداد خلال السنوات الماضية غير أن المتاريس وأكياس الرمال والخنادق منتشرة هذه المرة فى شوارع المدينة بشكل كبير والكل يترقب الحرب فى أى لحظة كما قال لى أحد المسئولين العراقيين، مبنى وزارة الأعلام تحول إلى مايشبه الثكنة الأعلامية حيث نصبت عشرات الأطباق والخيام لمراسلى وكالات الأنباء والصحافة والتليفزيونات العالمية وعشرات الصحفيين والمصورين يجوبون الشوارع يصورون أى شيء وكل شي حتى أن طفلا كان يغرس وردة فى كومة من التراب وجدت أكثر من مصور كل منهم يصوره من زاوية عله ينقل صورة من صور ترقب الناس فى بغداد للحرب عبر وردة يزرعها طفل فى كومة من التراب. أسوأ شيء فى الحياة أن تنتظر مجهولا تعرف أنه سييء بل ربما يكون أسوأ شيء فى الحياة، لكنك لا تستطيع أن تحدد حجم أو مقدار ما يحمله من سوء ودمار، وهل هناك أسوأ من الحرب؟! لقد قمت بتغطية ثلاثة حروب سابقة وأعرف الأهوال التى يعيش فيها الناس، قبل وأثناء وبعد الحرب، «فالحرب لا تحمل أى فأل حسن حتى لو كانت نتيجتها كما يدعى نظاما ديقراطيا سيكون نموذجا لدول المنطقة لأن ما هوآت سيكون اسوأ مما هوقائم مهما كانت وعود بل أكاذيب الأميركان» هذا ما قاله لى أحد العراقيين الذين كنت أناقشهم حول النتائج المرتقبة للحرب حسب ما صرح به الأميركيون، لكنه قال لى بحماس «ربما لم نكن كشعب متحمسين للحروب السابقة التى خاضتها حكومتنا لأنها كانت بخيارنا أما هذه المرة فإن الحرب مفروضة علينا، ومن ثم فعلينا أن نحمل السلاح وأن ندافع عن أنفسنا» قلت له: لكن الاميركيين يقولون بأنهم يستهدفون النظام ؟ قال: هم كذابون، وأنا حتى لو كنت على خلاف مع النظام ولا أقبل سياساته سوف أخرج لأقاتل، لأنى هنا أقاتل عن أرضى وعرضى وقد أصبح الشعب كله شبه مسلح الآن ولا يخلو بيت من قطعة سلاح أو أكثر والأمر لن يكون سهلا كما يروج الاميركيون «قلت له إنهم يقولون إنكم سوف تخرجون بالورود والزهور لاستقبالهم، قال «هم واهمون ياسيدى فأنا ربما لا أحب النظام لكنى لا أحب أمريكا ولن أرحب بأى من جنودها بل سأقاومهم» تركته والتقيت مع سيدة سألتها ما ذا تحمل قالت: هذا دواء استعدادا للحرب، فقلت لها: ماهى نوعية هذا الدواء التى تستعدين به للحرب ؟ فتحت لى الكرتون التى كانت معها وقالت: هذه كل أنواع الأدوية التى يمكن أن نحتاجها مثل أدوية الألتهابات والأنفلوانزا حتى أن حبوب للوقاية من الجمرة الخبيثة تؤخذ حبتين مرتين صباحا ومساء فقلت لها هل يمكن أن أرها فأخرجت بعفوية شريطا منها وقالت هى لك: فشكرتها وقلت لها فقط أريد أن اعرف اسمها فوجدت اسمها سيبولكس، وهى صناعة هندية. فقلت لها، وماذا بخصوص الطعام والشراب؟ قالت قمنا بشراء كميات من المياة المعدنية خوفا من انقطاع مياه الشرب، كما حفرنا بئرا فى البيت وكذلك فعل كثير من العراقيين علاوة على أنه فى كل حى تقريبا تم حفر بئر لأهل الحى، أما بالنسبة للطعام فقد قامت الحكومة بتوزيع تموين ثلاثة أشهر على الناس، كما أن الميسورين خزنوا مواد تموينية إضافية اشتروها من الأسواق، قلت لها وماذا بالنسبة للكهرباء ؟ قالت فى الحرب الماضية انقطعت الكهرباء واضطر معظم الناس إلى طهى اللحوم التى كانت فى الثلاجات خلال أيام قليلة وقد عانى الناس على مدى السنوات الأثنى عشر الماضية من انقطاع المياه و الكهرباء وأصبحت لديهم وسائل عديدة لترتيب أمورهم بشكل أفضل، والاستعداد للشيء يوفر الكثير من العناء لكننا نتمنى عدم قيام الحرب، لكن إذا قامت فليس أمامنا سوى أن نعيش أحداثها. غالبية العراقيين يعانون، وإن كانوا كما ذكر لى أحدهم بدأت أمورهم خلال السنوات الأربع الأخيرة تتحسن، ومعظم الذين يملكون المال يستطيعون الآن السفر إلى خارج العراق، وهذا ما لاحظته حيث أنى لم أجد مكانا على طائرة العودة إلى دمشق إلا بعد أسبوع من الموعد الذى أريده. معركة بغداد إذا وقعت لن تكون سهلة، لأن بغداد من المدن المنبسطة ذات الأمتداد الأفقى والمبانى المرتفعة فيها نادرة وقليلة، ومن ثم فهى مترامية الأطراف وخلاف القصور الجمهورية، فالمدنيون فى كل أرجاء المدينة، وكل مبنى غير القصور يمكن أن يكون هدفا سوف يؤدى إلى عدد هائل من الضحايا المدنيين، وكنت وأنا أتأمل المبانى الحكومية وأرى مواقعها من الأماكن السكنية نظرت بتأمل إلى مبنى وزارة الأعلام حيث أصبح مقرا لكل وسائل الأعلام العالمية وقلت فى نفسى يمكن أن يكون هذا المبنى هو أأمن مكان فى بغداد إذا نشبت الحرب، لأن الاميركيين سوف يترددون كثيرا فى قصفه، ثم ضحكت من تفكيرى وقلت: شر البلية ما يضحك، لكنى كنت واهما على ما يبدو فحينما رجعت إلى فندق الرشيد حيث كنت أقيم وجدت الصحفيين الغربيين فى حالة رعب وخوف وهلع شديدة، سوف أروى تفاصيلها فى الأسبوع المقبل. ـ كاتب واعلامي مصري