الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 الرئيس الأميركي بوش وأعضاء فريقه يدفعون الأمور إلى الهاوية وليس إلى حافتها، ويبدو أنهم تجاوزوا نقطة اللاعودة في توجههم نحو شن حرب على العراق، والحرب شريرة و ظالمة، فكيف إذا كانت بلا سند قانوني أو خلقي من أي نوع كما تبدو هذه الحرب. ويبدو أن محاولات استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يكون غطاء لتلك الحرب العدوانية قد أخفقت، على الرغم مما يسمى مرونة تظهرها الأطراف المتقابلة في اللحظات الأخيرة، للمحافظة على المنظمة الدولية التي غدت مهددة في الصميم، وعلى مظاهر العلاقات والمصالح والتحالف. ولكن طريق التصادم والتضاد في المواقف بدأت ترسم معالمها في العمق.وقد ظهر بشكل واضح تماماً خلاف له بعده التاريخي وتأثيره المستقبلي بين فرنسا وبريطانيا على الخصوص. وتجلى ذلك البعد في خطابي كل من «جاك سترو» بريطانيا و«دومينيك دو فيلبان» فرنسا. وكان الانشقاق من جهة والثبات على المواقف المتضادة من جهة أخرى جلياً بتأكيد «دو فيلبان» بأن فرنسا لن توافق أبداً على قرار يجيز الحرب آلياً على العراق، وتأكيد الرئيس شيراك من بعد على أن فرنسا سوف تستخدم حق النقض ضد أي قرار يؤدي إلى الحرب ليقطع بذلك الشك باليقين حول جذرية الموقف الفرنسي وجديته وثباته. وقد عمَّق انتقاد جاك سترو لرفض فرنسا النقاط الست التي قدمها يوم الخميس 13 مارس تعديلاً على مشروع القرار البريطاني الهوة وجاء ليزيد من حدة الخلافات، وكان مثيراً لبعض مشاعر الفرنسيين بشده وصفه الموقف الفرنسي بأنه غير منطقي أو غير عقلاني. ومنطق ضعيف وموقف أضعف كانا للولايات المتحدة وإسبانيا في المجلس ذاته وفي الجلسة ذاتها. وفوق الإخفاق في الإقناع تأكيد أنهم يسخرون من المجلس على نحو ما، فهم يعلنون أنهم لا يحتاجون إلى قرار منه من أجل الذهاب إلى الحرب !؟ وقد قال الرئيس الأميركي بوش بوضوح قبل يوم واحد من اجتماع المجلس:«إن الولايات المتحدة الأميركية لا تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن لتنزع سلاح العراق بالقوة.» ولكنها تسعى إليه لأسباب داخلية وخارجية ولكسب الوقت من أجل استكمال الاستعدادات بعد الموقف التركي المعوّق آنياً. تزييف أخلاقي كان اللافت للنظر في كل ذلك كذب متواتر، وتزوير في وثائق تقدم للمفتشين لتوريطهم وتوريط الهيئة الدولية لتقديم تقارير مبنية على الكذب قدمها الأميركيون والبريطانيون تحت شعارات براقة وأخلاقية وهي في منتهى الفساد والزيف والبعد عن الأخلاق والقيم، وقد ذهبوا حد الادعاء بأنهم يضحون بأبنائهم وبناتهم من أجل المبادئ وخدمة السلام «بشن الحرب» وجاء ذلك في قولهم: إن هناك أبناء وبنات لهم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن بنزع سلاح العراق»؟! ولكن أهداف العدوان منذ بدأ التلويح به والترويج له لا تتصل بنزع السلاح إن وجد أصلاً، وإنما يُتخذ من ذلك ذريعة للوصول إلى أهداف أخرى وتنفيذ تكتيك عسكري طويل الأمد، وقد أكد ريتشارد بيرل: «أن إزالة صدام حسين هي الأساس وليس الأسلحة.» وكانوا قد أكدوا أن تغيير النظام ليس مهماً إذا تعاون صدام حسين معهم وفق خططهم في المنطقة، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقدم واشنطن ذريعة على أخرى أو تخفي ذريعة وتظهر أخرى في هذا الصراع المر الطويل. وقد ثبت في هذه الأزمة على الأقل أن الكذب والذرائعية هما بلا حدود عند أفراد فريق بوش السياسي الذي استولى على القرار الأميركي، كما بدا أن الولايات المتحدة الأميركية تستنفد رصيدها الأخلاقي ومصداقيتها الدولية على يدي هذا الفريق وبهذا الأسلوب؛ إذ أن كثيرين كشفوا الوجه البشع لهذه الحكومة الكاذبة وأخذوا يتحدثون عن ذلك، وسحبوا الكثير من مواقفها على التاريخ الأميركي حيث بدأت قراءة جديدة للوقائع يتكشف في ضوئها مستقبل مظلم الذي ينتظر العالم على يد هذه القوة الاستعمارية الشريرة التي لا تتورع عن اتخاذ أية ذريعة أو إتباع أية وسيلة أو استخدام أي سلاح من أجل الوصول إلى أهدافها في أي مكان من العالم. ولكن السؤال الأساس يبقى هو: هل تهتم دولة استعمارية ذرائعية معنية بتجارة النفط والسلاح والدم، بالمصداقية الخلقية أم بتمويه أهدافها وخططها وتزيين واجهات تلك الأهداف والخطط بشعارات أخلاقية لتسويقها هنا وهناك، إذا كانت قادرة على الوصول إلى ما تريد بكل الوسائل ومنها القوة والرشوة ونشر الفساد الخلُقي والمادي على صعد ومستويات شتى: مستوى الأفراد ومستوى الدول والتنظيمات؟!. بضاعة فاسدة من الواضح أن العبث بالقانون الدولي والمنظمات الدولية وبالدول والقيم على هذا النحو، والاستهتار بالعقل البشري وتهديد الآخرين واستهداف أوطانهم وثرواتهم ومصالحهم وثقافاتهم وعقائدهم بذريعة إنقاذهم، أصبحت بضاعة أميركية فاسدة وكاسدة معروضة في السوق ولا يقبل عليها أحد، ولولا القوة الغاشمة لما تردد أي شخص ولا أية دولة في القول للولايات المتحدة الأميركية: كفى كذباً وعدواناً وتزييفاً للحقائق وافتراء على الناس والتاريخ. ولكن الولايات المتحدة تعرف واقع بلدان العالم وتستفيد من قوتها الشاملة من جهة ومن ضعف الآخرين وتفرقهم من جهة أخرى، وهي تريد تغيير قواعد اللعبة الدولية وتغيير ميثاق الأمم المتحدة إن لم يكن الهدف البعيد هو القضاء على تلك المنظمة بعد أن استنفدت أغراضها أميركياً وأصبحت بدفاعها عن السيادة تمثل عائقاً بوجه سياسات الولايات المتحدة الأميركية التي تريد أن تتخطى حدود السيادة الدولية، ورغبتها في فرض وهيمنتها المطلقة على العالم. والرئيس بوش وأعضاء فريقه تقدموا في هذه الحرب على طريق استراتيجي ذي شعبتين، واحدة باتجاه العراق والأخرى باتجاه المنظمة الدولية، وكل منهما تحقق لهم خطوات على طريق الهيمنة على العالم بالوسائل الممكنة وعلى رأسها القوة. والاستراتيجية المتبعة مع العراق على الخصوص تحقق أهدافهم الشريرة وتخدم الحرب القذرة التي يعدون لها، فقد وضعوا العراق منذ البداية في طرفي معادلة صعبة إلى أبعد الحدود: فهو مطالب بتقديم كل التسهيلات والخدمات وبذل أقصى الجهود والقيام بكل ما يمكن أن يطلب منه لينفذ قرارات مجلس الأمن الدولي «ذات الصلة» منذ بداية حرب الخليج الثانية، وعليه أن يفتح أرضه ومنشآته للتفتيش، وأن يقوم بنزع أسلحته، ويلهث وراء قرار برفع الحصار القتال من دون جدوى. وبعد كل مرحلة لهاث يقطعها يتم التأكيد على عدم مصداقيته وعدم جديته وعدم تعاونه، ويتم تثبيت ذلك بقرار دولي صادر من مجلس الأمن، وكل خطوة يقوم بها على طريق حل المعادلة = المعضلة تجره إلى خطوة أخرى معضلة ومرحلة جديدة من اللهاث والاتهام بأنه إنما يقوم بمناورة وأنه يراوغ ويكذب ولا يتعاون وأنه غير جاد في نزع أسلحته التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها وجيران العراق والعالم كله؟! وفي خط موازٍ يتم الاستمرار في رسم صورة سلبية له ولما يقوم به. ويُراد من ذلك كله أن يستمر استفزاز العالم ضده إلى الدرجة التي يطالب فيها العالم بالتخلص من هذه الكتلة الموجعة بعد أن ضاق ذرعاً بها. ويقابل ذلك في الطرف الآخر من المعادلة، في الاسترتيجية الأميركية المضادة، حشد للقوة تحت سمع العالم وبصره وسكوته إن لم نقل رضاه وتأييده، لأن حشد القوة ذاك، حسب إقرار أعضاء مجلس الأمن، هو الذي أجبر صدام حسين وسيجبره، على التعاون مع مجلس الأمن وتنفيذ القرارات الدولية، وعلى السماح للمفتشين بالعمل ونزع الأسلحة وتدمير ما يطلب إليه تدميره من أسلحته أياً كانت طبيعتها، حتى تلك التي ليس لها علاقة بأسلحة الدمار الشامل المحظورة مثل صواريخ الصمود 2 والطائرة المسيَّرة من دون طيار. إخفاق مزودج وقد وصل بوش وفريقه إلى نقطة نجاح كبيرة في هذا المجال أشار إليها جان لينو بقوله: «قد يكون الرئيس بوش أذكى رئيس عسكري في التاريخ، حيث تمكن من دفع العراق إلى نزع جميع أسلحته ثم أعلن عليه الحرب فيما بعد» ولكن السياسة الأميركية ذاتها التي نجحت نجاحاً كبيراً في طرف المعادلة الخاص بالعراق ـ على الرغم من أنه ما زال يتعامل مع القضية من موقع ثابت ويؤكد قوته ـ أخفقت إخفاقاً ذريعاً في إقناع العالم بإخلاصها للمنظمة الدولية وأهدافها واحترامها لتلك المنظمة وقوانينها وآلية عملها وقيمها الإنسانية من جهة، وإخفاقها في ستر أهدافها الإمبريالية الحقيقة الكامنة من وراء الحشد العسكري والسياسي لشن حرب على العراق تفوح منها رائحة النفط وتجارة السلاح والدم والعنصرية والاستعمار الجديد والهيمنة واستهداف القومية العربية والإسلام وشعوب المنطقة ودولها، استهدافاً تاماً وشاملاً يتجاوز إعادة النظر بالجغرافية السياسية للدول والتدخل بالشؤون الداخلية للبلدان والأنظمة والحكام إلى استهداف الهوية الثقافية والتربية والتعليم ومنظومات القيم الروحية والدينية. الأمر الذي استفز العالم كله دولاً وشعوباً ومنظمات وتجمعات أهلية، وفتح أعين بلدان عربية وإسلامية على ما ينتظرها من تهديد وخطر داهمين، وأخذ يشعل مساحات الأرض والرأي في كل أرجاء العالم ويحركها باتجاهين: ـ وقف الحرب العدوانية الأميركية البريطانية الصهيونية على المنطقة، ومواجهة أخطار الهيمنة الإمبريالية الجديدة، والتيقظ من أجل العمل لقيام كتلة دولية جديدة تقف بوجه الطغيان العنصري السكسوني ـ الصهيوني. ـ ويقظة شعبية عربية على أهمية الدفاع عن الأمة التي تستهدف ابتداء من العراق وفلسطين وضرورة ذلك الآن، وعلى أن الولايات المتحدة تؤكد في كل يوم أنها دولة معادية للعرب والمسلمين في العمق الاعتقادي الديني وهي بذلك قوة تامة التماهي مع حليفها الصهيوني في المجال السياسي العقائدي الاستعماري، وإنها دولة مختطَفَة القرار من قبل الحركة الصهيونية واليمين المسيحي المتطرف الذي يأخذ بالمسيحية اليهودية ويعتنق أهدافها ويسخر طاقات تلك الدولة الضخمة لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية في دولة من الفرات إلى النيل، ذات هيمنة شاملة ومطلقة على وطن العرب والمسلمين، ولن تقوم إلا على أنقاض القومية العربية والإسلام. وأن الولايات المتحدة الأميركية يقدمها اليوم بوش وأعضاء حكومته على أنها دولة استعمارية تعتمد القوة أسلوباً للوصول إلى أهدافها، وتستهين بالآخرين وبحقوق الشعوب والدول، وبالثقافات والشعوب، ولا تكترث بالآخرين: الرأي العام الدولي والشعوب والمثقفين والفنانين ومؤسسات المجتمع المدني..إلخ وإن الرئيس بوش يلتفت فقط لأنموذجه الأعلى شارون وما يخدم أهداف مشروعه الصهيوني الاستيطاني الروحي المشبع بالنفط والدم والدمار. والسؤال من بعد، ونحن على أبواب حرب الثلاثي الشرير: بوش ـ شارون ـ بلير على العرب ابتداء من فلسطين والعراق، وعلى العالم ابتداء من احتقار الشرعية الدولية ومجلس الأمن والمنظمات الدولية والرأي العام: هل سينتصر العالم وإرادته الخيرة أم سينتصر الثلاثي الشرير؟! إن الإجابة على هذا السؤال الصعب منوطة بوحدة الإرادة الخيرة في العالم وثباتها على المبدأ السليم وجدية انتصارها للحق والعدل والحرية والسلام، وبقدرة العرب على الرؤية السليمة لما ينتظرهم جميعاً وينتظر ثقافتهم ومصالحهم وقضاياهم المصيرية ومنظومات قيمهم الروحية والقومية التي تتمثل بالانتماء للعروبة وحمل راية الإسلام، وبتصرفهم السليم حيال ذلك كله. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب