الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 حين نراهن على التعليم ونضع فيه آمالنا فإن ذلك بسبب خطورة الدور الذي تقوم به هذه المؤسسة الفائقة الأهمية. ولاجل ذلك فنحن محقون في تطلعنا الى تميز البيئة التعليمية، بكل مكوناتها وعناصرها على نحو يتيح للطلاب تلقي أفضل الخدمات التعليمية ويهيئهم لمستقبل واعد. غير ان السؤال الذي يطل برأسه ماذا عن الوسائل التي تمهد لمثل هذه البيئة وتساعد على صنعها؟. والاجابة العملية ان البناء من اجل الاستمرار يمكن ان يبدأ عن طريق تقديم معايير ادارية ومفاهيم متطورة الى البيئة التعليمية لكي يتسنى للعاملين في الميدان تكوين بنية تحتية من المفاهيم والخبرات النظرية الجيدة تدفعهم لتطوير برامجهم، وتحسن من ادائهم العام. ومن هذا المنطلق تعتبر البرامج التدريبية والمؤتمرات وورش العمل افكاراً عملية يمكن الترحيب بها من حيث المبدأ، واعتبارها حلقة وصل تردم الهوة ما بين الواقع والمثال في المناخ التعليمي الذي كثرت عليه الملاحظات وتناولته الاقلام والافواه بالنقد وتوجيه الملاحظات. ومما يعزز من الحماس للاستمرار في تقديم برامج تدريبية ولقاءات مفتوحة مع العاملين في الميدان التعليمي، القناعة المطلقة بأن الكلمة ملفوظة كانت ام مكتوبة هي رسول الافكار الخلاقة الى الأجهزة التي تتولى مهام التربية والتعليم خاصة وان كثيراً من اعضاء هذه الاجهزة مثقلون بالواجبات اليومية التي تتطلبها المهنة، ويشق عليهم ـ في كثير من الاحيان ـ ايجاد الوقت الكافي لزيادة رصيدهم من الخبرات العلمية في مجال تخصصهم أو المجالات الأخرى. والأمر المرجو من الانفتاح على البرامج التدريبية ان نلمس تحسنا ملحوظاً في مناخ التعليم يعكس مدى الاستفادة من اللقاءات المفتوحة، والاحتكاك المباشر مع بعض الرموز العلمية ممن يقدمون تلك البرامج. لكن ذلك الهدف لم يتحقق ـ مع الاسف الشديد ـ في كثير من المرات، والسبب ان الاستماع بالاذن دون التفاعل مع الافكار المطروقة هو قرار مبكر بالتخلي عن تحمل أي تبعات ازاء ما يقدم من اراء جديرة بالاعتناء، وتستحق المزيد من العناية والجهد لتحويلها إلى واقع ملموس. والاستماع السلبي الذي يعفي صاحبه من أي مسئولية هو واحد من آفاتنا الاجتماعية الخطيرة التي نعاني منها، والتي افضت الى تكريس الاخطاء، حيث ان المعرفة شيء، والسلوك شيء آخر. وهذه بعض المواقف التي اجتمعت في يوم واحد وترجمت حالة الانفصام ما بين النظرية والتطبيق. ففي ساعة الاستراحة التي فصلت ما بين اوراق العمل المقدمة إلى مؤتمر التعليم المتميز الذي ترعاه الحكومة الالكترونية دار الحديث التالي بين مجموعة من الاداريات المشاركات في اللقاء. الإدارية الاولى: اني راغبة في الانصراف غير ان كلمة الباحث الاماراتي التي اراها هي أهم الأوراق التي ستقدم في هذا اليوم مازالت بعيدة. زميلتها: نعم انت على حق، ان كلمة الباحث الاماراتي تستحق المكوث والانتظار. الاولى: لكنك تتذكرين ان هذه الورقة التي تنتظر والتي تحمل عنوان «الطريق إلى الجودة الشاملة» كنا قد استمعنا اليها من خلال برنامج تدريبي مطول استغرق اسبوعين قدمه هذا الباحث الينا في السنوات الماضية فلماذا نجلس حتى نستمع الى الكلام مختصراً وقد وصل الينا في الماضي مطولاً. زميلتها: انت محقة تماماً، وقد غاب عنك اننا استمعنا الى ورقته للمرة الثانية في مؤتمر تربوي عقد السنة الماضية بأبوظبي وبالتالي ليس ثمة حاجة للبقاء. الأولى: معك حق. وما ان انتهى هذا الحوار الغريب حتى تكرر السيناريو والاداء على مقربة مني مرة ثانية بين مجموعة اخرى كن يفكرن بصوت عال، ويظهرن التردد في المكوث أو الانصراف ثم سرعان ما يصلن الى نفس القرار ويحزمن اوراقهن للرحيل وسبب الحيرة يتكرر من جديد حول البحث الجيد الذي ينتظرن سماعه رغم انهن يعلمن محتوياته منذ زمن!! ترى ما هو الانطباع الذي يمكن ان نأخذه من هذه الحوارات الجانبية التي شهدت على وجود «معرفة فائضة» لدى بعض المعنيات بقضايا التنشئة التعليمية بمواصفات الجودة الشاملة في مقابل وجود «ندرة تطبيقية» لشروط ومواصفات الجودة. ان مديرات المدارس ـ بصورة عامة ـ هن من اكثر العناصر التربوية حضوراً للملتقيات والندوات والمؤتمرات، لذا فليس من العدل والانصاف ألا نجد اثرا يستحق الاشادة في الوسط المدرسي رغم الفائض في المعلومات والوفرة في الافكار. لكننا نقول من جديد: شتان شتان بين من يستمع ليطبق، ومن يستمع ليحصل على المزيد من شهادات المشاركة. بالتأكيد ليست النائحة كالثكلى، وليس الادعاء كالحقيقة الماثلة.