الاحد 13 محرم 1424 هـ الموافق 16 مارس 2003 ونحن نتابع المعركة الضارية في مجلس الأمن حول العراق، علينا ألا ننسى عدة نقاط هامة تحدد في النهاية مسار المناقشات، وحدود الصراع، ومستقبل الحرب والمنظمة الدولية.. بل ربما مستقبل العالم كله. في البداية.. علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة لم تكن تريد العودة لمجلس الأمن، بل كانت تريد الذهاب للعدوان على العراق استنادا إلى قرارات قديمة لمجلس الأمن.. بحجة أن العراق لم ينفذها، أو حتى بدون الاستناد إلى أي قرارات دولية، فيكفي العالم ـ أو هكذا تصورت الإدارة الأميركية ـ أن تقرر واشنطن أن هذا النظام شرير..وهو ماحدث عقب أحداث 11 سبتمبر حين أطلق بوش حملته «الصليبية» ضد ما أسماه «محور الشر» الذي يضم بصفة أساسية العراق وإيران وكوريا الشمالية. كانت الإدارة الأميركية تتصور أن إطلاقها صفة «الشر» على هذه الأنظمة هو حكم نهائي بإعدامها، وكانت الإدارة الأميركية شبه متيقنة بأن الرأي العام العالمي الذي وقف معها بعد 11 سبتمبر وساندها في الانتقام من أفغانستان سوف يساندها في الحرب على العراق، كما كانت متأكدة من أن التحالف الدولي الذي أقامته في حرب تحرير الكويت قبل اثني عشر عاما سيقف معها مرة أخرى. وعندما فوجئت الإدارة الأميركية بخطأ حساباتها، حاولت أن تساعد حلفاءها للانضمام إليها باللجوء لمجلس الأمن والحصول على قرار جديد يضيق الخناق على النظام في بغداد من ناحية، ويوفر الغطاء الشرعي للحلفاء للانضمام إليها في الحرب المقبلة، باعتبار أن الحرب ضد العراق هي تنفيذ للشرعية الدولية. وهكذا وافقت واشنطن على اللجوء إلى مجلس الأمن، ولكنها دخلت ولم تعد ـ كما خططت ـ بالتحالف المنشود رغم كل مابذلته من جهود، وماقدمته من اغراءات، وماأطلقته من تهديدات. الأمر الثاني الذي لا ينبغي أن ننساه ونحن نتابع المعركة السياسية التي تدور الآن، هو أن القرار الأميركي بالحرب ضد العراق واحتلال أراضيه والسيطرة على بتروله لم يتخذ عقب أحداث 11 سبتمبر، ولا بسبب علاقة مزعومة للنظام العراقي بتنظيم «القاعدة» أو غيره من التنظيمات الإرهابية، ولا بسبب حكاية نزع أسلحة الدمار الشامل التي تعلم واشنطن قبل غيرها أنها حكاية وهمية. استكمال السيطرة على العالم قرار الحرب صدر قبل ذلك، ومع استعداد الرئيس الأميركي الحالي بوش لتولي سلطاته، حيث تم إعداد الدراسة التي أصبحت بعد ذلك هي السياسة الرسمية للإدارة الأميركية الجديدة بعد ثلاثة شهور من إعدادها، وفي مطلع العام 2001. وحيث أصبح الهدف الأساسي للإدارة الأميركية الجديدة هو استكمال السيطرة على العالم وتأكيد الهيمنة الأميركية الكاملة ومنع أي تهديد لها. وحيث أصبح تأكيد التفوق العسكري الأميركي هو السلاح الأساسي لاستكمال هذه السيطرة، بدلا من طروحات أخرى كانت تحاول تأكيد أن الاعتماد على السيطرة الاقتصادية من خلال «العولمة» يمكن أن يوفر لواشنطن ماتريد من سلطة على العالم كله. ومع إقرار مبدأ تعميق التفوق العسكري الأميركي وإعادة الحياة للبرامج العسكرية المتطورة التي توفر هذا التفوق، كان القرار الآخر هو أن تكون الولايات المتحدة موجودة بنفسها ـ وليس عن طريق الوكلاء ـ حيث تكون مصالحها الحيوية. ومن هنا كان الإقرار بتكثيف التواجد العسكري في الخليج العربي وتأمين منابع البترول، ثم التخلي عن سياسة الاحتواء التي كانت الإدارة الأميركية السابقة تتبعها مع النظامين العراقي والإيراني، واعتماد سياسة المواجهة لإسقاط النظامين اللذين تم وضعهما بعد ذلك (مع كوريا الشمالية) كأعضاء أساسيين في «محور الشر» الذي أعلنه الرئيس الأميركي بوش بعد أحداث 11 سبتمبر. وهكذا كان قرار المواجهة مع العراق ينتظر التوقيت، وبعد 11 سبتمبر وضرب أفغانستان، كان قرار الإدارة الأميركية أن الوقت قد حان لتنفيذ القرار المسبق بضرب العراق، واحتلاله، مع الظن بأن كل الظروف مواتية لذلك، ومع الوهم بأن العالم كله سيصطف في تحالف لتنفيذ المهمة، وأن القوى الكبرى لن تعترض، وإذا اعترضت فلن تتمكن من عرقلة الحرب، وان الكل سيرضخ في النهاية وسيوقع على صك التسليم بالهيمنة الأميركية دون قيد أو شرط. هكذا كانت الرؤية الأميركية للموقف، وهي تخضع لظروف بعض حلفائها وتقدم لهم المبرر لدخول الحرب وراءها، فتلجأ لمجلس الأمن لاستصدار قرار جديد يؤكد أن العراق لم ينفذ التزاماته بمقتضى القرارات الدولية، ولم ينزع أسلحة الدمار الشامل، وتعطيه مهلة لتنفيذ هذه الالتزامات، وبعدها ستكون «العواقب الوخيمة».. التي فسرتها واشنطن على أنها الحرب الشاملة والاحتلال الكامل. ومع صدور القرار بدأت الحرب الأميركية تدور. ورغم المعارضة التي بدأت تتصاعد فقد كان التقييم الأميركي أن كل شئ قابل للمعالجة. وأن روسيا لن تستطيع شيئا إلا الرضوخ للموقف الأميركي لاعتبارات اقتصادية. وأن فرنسا تناور للحصول على «نصيب» يليق بها من الغنيمة العراقية، وأن ألمانيا عارضت الحرب لأسباب «انتخابية» فقط.. وبعد الانتخابات سيسود التعقل، وتعود الحكومة الألمانية إلى الحظيرة الأميركية كالمعتاد. أما الصين فمصالحها التجارية تفرض عليها ألا تعارض قرارا أميركيا وسياستها لعشرين سنة مقبلة ألا تدخل في صراع كبير يعرقل جهودها للتنمية الاقتصادية. وأما العرب ففي غيبوبة، وباقي العالم ليس أمامه إلا الرضوخ للإرادة الأميركية. ورغم تصاعد المواقف المعارضة للحرب رسميا وشعبيا، إلا أن الإدارة الأميركية بقيت على تصورها بأن القرار في يدها، وأن التحالف الذي تريده سيكتمل، وأن أحدا من القوى الكبرى لن يستخدم «الفيتو» ضدها، وأن الدول الأخرى في قبضة يدها، وأن التظاهرات الشعبية ستتراجع عند حسم الأمر وبدء الحرب. لكن اللحظة الحقيقية جاءت في 14، و15 فبراير. في اليوم الأول لقيت واشنطن أفدح هزائمها السياسية عندما وجدت نفسها وحيدة في مجلس الأمن، لا يؤيدها إلا حكومة بلير المهددة بالسقوط بسبب هذا التأييد. وحين وجدت أن التحالف الفرنسي ـ الألماني ـ الروسي يثبت أقدامه في معارضة الحرب. وحين فوجئت بأن موقف هذا التحالف يستقطب تأييد واحترام العالم أجمع. وفي اليوم التالي كان التعبير عن هذا التأييد الواسع للتحالف المعارض للحرب، حين خرجت الملايين في كل عواصم الدنيا تعلن غضبتها وترفض الهيمنة الأميركية وتؤكد وقوفها ضد حرب سوف يذهب ضحيتها مئات الألوف من أجل السيطرة على منابع البترول. وبدأت واشنطن جهودا مكثفة لمواجهة الموقف لكنها لم تثمر. وتوالت النكسات السياسية، وفشلت الجهود الأميركية في استصدار أي قرارات تؤيد موقفها من القمم التي انعقدت على التوالي (عربية وإسلامية وعدم انحياز) بينما تصاعدت المعارضة في أوروبا، ووجدت الحكومة البريطانية نفسها في موقف بائس أصبح يهدد واشنطن بفقدان حليفها الرئيسي في الحرب المقبلة. سقوط أخلاقي ومازالت المعركة مستمرة، وجهود واشنطن للحصول على أي غطاء شرعي لحربها العدوانية المقبلة تتصاعد، ومايلفت النظر هنا هو هذا السقوط الأخلاقي الذي تنساق إليه الإدارة الأميركية وهي تقود العالم إلى كارثة مروعة دون مبرر الا مصالحها الخاصة. إن الوقاحة التي تعامل بها أركان الإدارة الأميركية (وخاصة وزير الدفاع رامسفيلد) مع أوروبا تقود الآن إلى وضع دقيق في العلاقات بين حلفاء الأمس. والأمر لم يعد صراعا فرنسيا ـ أميركيا فقط، بل إنه يتحول إلى صراع بين أميركا فقط من ناحية والعالم كله من ناحية أخرى. وهو الأمر الذي لا تريد الإدارة الأميركية أن تتعامل معه بمسئولية، فهي مازالت تتصور أن من حقها أن تعلن على الملأ أنها تريد الانفراد بالهيمنة الكاملة على مصائر العالم، وأنها ستمنع أي تحد لهذه السيطرة، وستذهب إلى الحرب إذا رأت مايهدد هيمنتها المفردة.. ثم تقبل دول العالم كله صاغرة وتقدم فروض الطاعة والولاء. ولا يقتصر الأمر على الوقاحة في التعامل مع أوروبا، ولا في الغطرسة في التعامل مع باقي العالم، ولا في استخدام الوعد والوعيد لإرغام الدول الصغيرة والنامية على الرضوخ للإرادة الأميركية. بل يصل الأمر إلى فتح «بازار» للرشاوى المالية والسياسية من أجل انتزاع أغلبية (ولو شكلية) في مجلس الأمن تصلح غطاء للحرب العدوانية، ثم تهدد فرنسا وروسيا بأن استخدامهما لحق «الفيتو» سيكون جريمة أخلاقية وسيكون حكما بنهاية منظمة الأمم المتحدة نفسها!! خارج الشرعية الدولية سبحان الله.. «الفيتو» الآن أصبح جريمة لأنه يحاول منع الرغبة الأميركية المجنونة في تدمير العراق واحتلاله، لا لسبب إلا السيطرة على مخزونه البترولي الهائل. لكن هذا «الفيتو» كان خيرا وبركة حين استخدمته واشنطن عشرات المرات لمنع وإدانة إسرائيل على كل ما ارتكبته ـ ومازالت ـ من مجازر في حق العرب. «الفيتو» الآن أصبح خطأ إذا لجأت إليه فرنسا وروسيا لحماية نصف مليون سيكونون ضحايا العدوان الأميركي وفقا لتقديرات الهيئات الدولية ولمنع كارثة على المنطقة والعالم. ولكن هذا «الفيتو» كان عملا من أعمال البر والإحسان حين كان يمنع صدور قرار لإرسال قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل بدعم أميركا وبطائراتها وصواريخها التي وضعتها في يد العصابة النازية التي تحتل فلسطين. «الفيتو» الآن أصبح مكروها وسيكون سببا في نهاية الأمم المتحدة لأنه يعبر عن رأي كل شعوب العالم في مناهضة الحرب. ولكنه كان عملا صالحا ومباركا حين كان يحمي إسرائيل من مجرد استقبال لجنة لتقصي الحقائق في مجزرة «جنين» أو يرفض إدانتها وهي تقتل موظفي الأمم المتحدة أنفسهم. أو حتى كان قبل ذلك يمنع إدانة الولايات المتحدة وهي تخوض حربها الغاشمة ضد فيتنام أو نيكاراغوا وتقيم شلالات من الدم دفع الشعب الأميركي نفسه ثمنا فادحا لها حين أدرك كيف ساقته المصالح المهيمنة على الحكم في بلاده إلى ارتكاب الجرائم وقتل الملايين. و.. ستذهب أميركا إلى الحرب بالفيتو أو بغيره. ولكنها ستذهب وحيدة وبالمخالفة للشرعية الدولية وبدون غطاء سياسي أو أخلاقي. ستذهب كدولة استعمارية من دول العصور الوسطى، وكأنها لم تقرأ التاريخ ولم تعرف كيف قامت الإمبراطوريات وكيف انتهت حين لم تضع بنفسها «الفيتو» على استخدامها للقوة بعيدا عن الحق والعدل، وفوق جثة الشرعية والأخلاق. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية