السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 الهجمة الأميركية الشرسة على العرب تستحق تعبئة الطاقات وتجييش الشعوب. فالولايات المتحدة التي تستهدف العراق، الآن لم تخف نواياها في استهداف دول عربية أخرى فيما بعد، وفي مقدمة هذه الدول مصر والسعودية وسوريا ولبنان والسودان، وذلك في ضوء مخططات إعادة رسم خرائط المنطقة. وأهمية التعبئة أنها تقودنا جميعا لأن نكون مستعدين لرد الخطر القادم من واشنطن ولندن، بما يجعلنا قادرين على درء كوارثه. فالجيوش العربية وحدها لن تستطيع ذلك، لأنها لاتمتلك ما تمتلكه الولايات المتحدة من أسلحة تقليدية أو أسلحة دمار شامل، بل إننا نستورد أسلحتنا من مصدر الخطر الذي نتحسب له ونتخوف منه. وهذا يستلزم بالضرورة تحويل الشعوب العربية قبل فوات الأوان (مثلما حدث مع العراق إلى حد ما) إلى جيوش مقاتلة قادرة على خوض حرب عصابات طويلة مع المستعمر الأميركي البريطاني الصهيوني، وذلك في اطار استراتيجية شاملة ومتكاملة. وعلى خلاف الجيوش فإن الشعوب لا تهزم إذا امتلكت إرادة القتال (الجهاد) فنحن العرب لم نعرف الانتصارات إلا عندما نجحنا في تجييش الشعوب إلى جانب الجيوش. فمصر التي انتصرت على بريطانيا وفرنسا واسرائيل إبان العدوان الثلاثي عام 1956 حققت ذلك بتكاتف الجيش مع الشعب، حيث قاتل الفدائيون إلى جانب الجيش وألحقوا خسائر ضخمة بالقوات المعادية. وتكرر الأمر ذاته في مدينة السويس خلال حرب اكتوبر 1973 فالمقاومة الشعبية بقيادة الشيخ حافظ سلامة نجحت في هزيمة الجيش الإسرائيلي الذي حاول اقتحام المدينة في غيبة الجيش. ويعد انتصار حزب الله ـ قبل عامين ـ على العدو الإسرائيلي وطرده من جنوب لبنان درسا جديداً لكل العرب. فقد انهزمت إسرائيل أمام حزب الله رغم ان موازين القوى العسكرية لم تكن في صالح الحزب، بل لبنان بأكمله، ولكنها إرادة الجهاد. ولم يحدث في تاريخ الحروب ان انتصر جيش نظامي ـ مهما كانت قوته ـ في حرب شعبية أو حرب عصابات، فالأميركان هزموا في فيتنام ومن قبلهم انهزم الفرنسيون هناك وفي الجزائر، وذلك ما حدث للامبراطورية السوفييتية في افغانستان، بل ان اسرائيل انتصرت علينا في عام 1948 عبر خوض حرب العصابات. وحتى نتمكن من تحقيق أهدافنا في الأمن وحماية وجودنا يجب ألا نركن إلى أي تطمينات، فالطمع الأميركي البريطاني الصهيوني لا حدود له، فاليوم يستهدفون نفط العراق وغداً ربما يستهدفون السيطرة على قناة السويس. ويستوجب تحقيق التعبئة الوطنية الشاملة على كل الأصعدة أن تثق الشعوب العربية بقدراتها وامكاناتها الذاتية، وان تثق الحكومات كذلك بشعوبها. ويستدعي الأمر ان تبادر الحكومات إلى مد جسور الثقة مع كل القوى الوطنية، حتى تلك التي تتشكك في ولائها لها، أو تلك التي لا تطمئن إليها، لأن خطر العدوان ـ في حال وقوعه ـ سيشمل الجميع. ولاننسى أن مطالب تغيير النظام في العراق لا تزال مطروحة (اميركياً). وما كانت الولايات المتحدة أن تجمل أطماعها بالديمقراطية لو لم تكن ورقة المعارضة متوفرة لها. فعلى الجميع أن ينسى خلافاته في هذا الظرف التاريخي الحرج. وهنا تجب المسارعة إلى تكوين قوات شعبية في كل دولة، خاصة تلك المستهدفة. وتدرب هذه القوات على حروب المدن، وعمليات الدفاع المدني مثل اطفاء الحرائق واخلاء المباني والمدن من ساكنيها واسعاف الجرحى.. وغير ذلك. وتحتاج هذه التعبئة إطلاق حق اقتناء الأسلحة لأفراد الشعوب العربية دون خوف من اساءة استعمال هذه الأسلحة ضد السلطة أو في ارتكاب الجرائم، إذ يمكن للجهات المسئولة تنظيم هذا الأمر بدقة تكفل عدم الإخلال بالأمن العام. ولقد جاءت فتوى الأزهر الشريف مؤخراً لترفع الحرج عن القيادات السياسية العربية، بل انها جاءت لتعزز ما تم الاتفاق عليه في قمة شرم الشيخ من رفض العدوان ضد العراق. تلك الفتوى التي صدرت عن مجمع البحوث الإسلامية يوم الاثنين الماضي (10 مارس) ودعت إلى إعلان الجهاد ضد الولايات المتحدة إذا ما اعتدت على العراق. فهذه الفتوى فرصة لحشد الشعوب العربية والإسلامية، فالفتوى في جوهرها تدعو جميع المسلمين القادرين على حمل السلاح إلى الجهاد مع العراق. والجهاد بمعناه العسكري لا يكون إلا في الحروب، ومن ثم فإن الفتوى تعلن أن الأمة العربية والإسلامية هي في حالة حرب دفاعية مشروعة مع الولايات المتحدة الأميركية (من الناحية الدينية) إذا اعتدت على العراق. ومن واجب النظام الرسمي العربي أن يرتقي إلى مستوى هذه الفتوى لتعبئة الأمة عبر الإعلان بأن الأمة تتعرض لعدوان جماعي من جانب الولايات المتحدة والصهيونية العالمية. بما يجعل الأمة في حالة دفاع مشروع عن النفس، وتكمن قيمة هذا الإعلان فيما يرتبه من سياسات وإجراءات داخلية وخارجية تقود إلى تحقيق التعبئة الشاملة. وتعد فتوى الأزهر فرصة ذهبية ـ ان أحسن استغلالها ـ كي تتفاعل الحكومات مع علماء الإسلام وتطلعات الشعوب في الحياة الحرة الكريمة. وكي لا تجد الأمة نفسها مشتتة بين نهجين، احدهما يدعو للجهاد ويقوده العلماء والآخر يدعو للمهادنة. فلعبة التوازنات لا تنفع للمفاضلة بين النهجين في هذا الموقف، لأن الجهاد فريضة إسلامية شرعها الله وأمرنا بها، والمهادنة سلوك بشري لا يحقق انتصاراً ولا يصون كرامة. ومن ثم فان الدعوة للجهاد ـ وان لم تجد مساندة رسمية ـ فسوف تنتصر ولو بعد حين. ان فتوى الأزهر جاءت في مكانها الصحيح (وإن تأخرت لبعض الوقت) أنها تمثل سلاح ضغط قوي وفعال ضد الولايات المتحدة، فهي تضعها في موضع العدو للعرب والمسلمين من الوجهة الدينية، ولاشك أنها تذكرها بما فعلته فتاوى مماثلة خلال الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي، كما يمكن استثمار هذه الفتوى في التصعيد السياسي ـ رسميا وشعبيا ـ عربيا وإسلاميا ضد الولايات المتحدة ومن يتحالف معها ضد العراق. وفي اطار عملية التعبئة الوطنية المسلحة بالفتوى الشرعية يجب ان تتكاتف جهود السلطة مع حركة الشعوب العربية من أجل تفعيل وتنشيط المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأميركية والبريطانية والأسبانية. فتجارب الأشهر الماضية كشفت أن بعض الحكومات العربية لعبت دوراً في افساد هذه المقاطعة عبر التقليل من شأنها والتهوين من نتائجها، وترديد مقولات غير واقعية، وغريبة حول أضرار المقاطعة على الاقتصادات الوطنية، وذلك رغم ان الشركات الأجنبية المستهدفة من المقاطعة اعترفت بأنها تكبدت خسائر ضخمة. وحان الوقت لأن تشارك الحكومات في تقوية هذه المقاطعة من خلال توجيه قطاعات ومؤسسات الانتاج الوطنية لتصنيع سلع بديلة يستغني بها المستهلكون عن السلع الأجنبية ـ قدر المستطاع ـ خاصة تلك التي يصعب مقاطعتها. ومن الخطأ أن يظل النهج الرسمي على حاله من المهادنة والاستسلام، لأنه بذلك يهدر فرصة تاريخية سانحة يندر أن تتكرر من أجل تحقيق التعبئة الشاملة للأمة نحو هدف طالما سعت إليه لنيل كرامتها، ولاشك ان النظام الرسمي سيكون هو أول الخاسرين، فالجيوش وحدها لن تقدر على حماية العروش