السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 نظريا يفترض ان تعكس منظمة الأمم المتحدة طموحات الشعوب وتعمل لانصاف المقهورين والمظلومين من البشر، غير ان ما يحدث عمليا هو عكس ذلك، بحكم التشوهات التي لحقت المنظمة الدولية في تأسيسها وطريقة تمويلها، وأضيف إلى ذلك مؤخراً مكانها الذي تتخذه مقرا رئيسياً، بعد ان خرجت اميركا عن سياق المنظومة الدولية. فالولايات المتحدة لا تتحكم فقط بالارض وانما أيضاً بالقرار.. تتحكم بالأمين العام وتحاول التحكم بأعضاء مجلس الأمن الدائمين.. ولم يكن غريباً ولا مدهشاً ان يعتبر المسئولون الاميركيون انفسهم أصحاب القوامة على النظام الدولي. فإن تبنت المنظمة رؤاهم كانت ناجحة وان عارضت طموحات اميركا واطماعها حكموا عليها بالفشل. واذا كانت قمة الالفية التاريخية التي اجتمعت في سبتمبر 2000 قد أكدت على ان أولويات المنظمة الدولية في القرن الجديد هي «الكفاح من اجل التنمية لجميع شعوب العالم ومكافحة الفقر والجهل والمرض ومناهضة الظلم، والحيلولة دون تدهور بيتنا المشترك وتدميره، فإن البشائر لا توحي بتحقيق ذلك. فعندما يجتاز المرء بوابات الامم المتحدة يفترض انه يدخل اقليماً دولياً على مساحة 18 فداناً.. ويصبح فوق ارض ليست ملكاً لدولة واحدة وانما لجميع الدول التي تحظى بعضوية المنظمة، غير ان المجتمع الدولي لن يستخدم مهبط طائرات فوق سطح مبناها وانما يعبر اليها من المطارات الاميركية.. وكل راغب في مخاطبة العالم يجب أولاً ان يحصل على تأشيرات دخول اميركية. على امتداد الاعوام الـ 58 منذ انشاء المنظمة الدولية وحتى الآن كان هناك زعماء وقادة حركات تحرر محترمون في بلادهم ويحظون باجماع شعوبهم، غير انهم لم يفكروا مجرد تفكير في استخدام منبر الامم المتحدة لعرض قضاياهم على أمم العالم، والسبب هو وجودها في نيويورك أظن ان امرا كهذا كان من حق الامام الخميني مثلاً في السابق، كما انه الآن حقاً للرئيس العراقي صدام حسين، ولياسر عرفات وغيره من الزعماء وقادة حركات التحرر الذين لا يحظون بالرضا الاميركي.. وحينما تتحول الحقوق إلى مجرد اشياء نظرية لا يمكن ممارستها على ارض الواقع يكون هناك خلل وينبغي على المجتمع الدولي ان يتنبه إليه. هناك امثلة على ذلك ليس اولها طرد افراد من البعثة العراقية لدى المنظمة الدولية، وانما سبق وان عانت دول وحركات تحرر كثيرة من السطوة الاميركية لدرجة ان البعض اعتبر الأمم المتحدة مجرد ادارة من ادارات الخارجية الأميركية، وربما تراها الخارجية الأميركية كذلك لا أكثر. ففي فبراير عام 2001 على سبيل المثال تم اغلاق مكتب حركة طالبان في نيويورك وساعتها عارضت الأمم المتحدة باعتبار ان هذا المكتب من الوسائل القليلة التي يمكن بها اطلاع المنظمة الدولية على الوضع المأساوي للشعب الافغاني الذي كان وقتها ـ وحتى الآن ـ بحاجة إلى اغاثة وتنمية ومكافحة فقر وجوع، إلا ان هذه المعارضة ذهبت ادراج الرياح لمجرد ان الخارجية الاميركية لم تكن راضية عن طالبان. وفي يوليو 2002 بدأ مشرعون في نيويورك اعداد قرار يحث ادارة الرئيس بوش على اغلاق مكاتب السلطة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة على اعتبار ان السلطة تمثل منظمة ارهابية وان سلامة سكان نيويورك تقتضي اغلاق هذه المكاتب لأن السلطة الفلسطينية لم ترضخ للشروط الاسرائيلية الاميركية، ومن ثم اصبح السماح لها بمكاتب في نيويورك مثل السماح لشبكة القاعدة بأن يكون لها مكاتب هناك. ولأن الاجراء كان شاذا فقد ابدى ناصر القدوة ممثل السلطة في الأمم المتحدة دهشته قائلاً: «نحن هنا منذ سنوات. اننا كيان يحظى بالاحترام داخل الأمم المتحدة وداخل هذه المدينة».. وعقب قائلاً «انه اسلوب سياسي رخيص». وفضلاً عن ان وجود مقر الأمم المتحدة في مدينة اميركية، في وقت تسير فيه واشنطن عكس اتجاه التيار العالمي، فإنه من السخف بمكان ان تكون المدينة هي معقل اللوبيات الصهيونية والمكان الذي يحكم انصار اسرائيل سيطرتهم الكاملة عليه. والتساؤل لماذا لايتكاتف العالم لنقل المقر بصفة دائمة إلى مدينة جنيف أو فيينا حيث يوجد في الاولى المقر الصيفي وفي الثانية مقرات الوكالات التابعة للمنظمة الدولية، أليست سويسرا وهي البلد المحايد الوحيد مكانا أفضل للمجتمع الدولي، يستطيع فيه الضمير العالمي ان يعبر عن نفسه بحرية.. لقد كانت سويسرا حتى شهور قليلة مضت الدولة المستقلة الوحيدة التي لم تنل عضوية المنظمة الدولية امعاناً في الحياد. أليست جنيف خياراً أفضل للتخلص من سطوة التفرد الأميركي بالشأن العالمي، وهي السطوة التي تحاول دول كبيرة ودائمة العضوية مثل فرنسا وروسيا والصين كسرها في الوقت الحالي.. ولماذا يظل الضمير العالمي اسيراً في نيويورك اذا كان بامكانه ان يتنفس بطريقة أفضل في مكان آخر. لقد نالت اميركا احتقاراً عالمياً غير مسبوق حتى قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. جميعنا يذكر اجتماعات ديربن.. وجميعنا يعرف ان أميركا وإسرائيل اصبحتا معزولتان عالمياً ولا تؤيدهما بشكل دائم غير ميكرونيزيا. بوسع المرء ان يتساءل: اذا كانت أميركا تدفع ربع ميزانية الأمم المتحدة، وتتصرف كما تشاء في المنظمة الدولية وفي اختيار امينها العام وفي السطو على ارادتها.. هل في هذه الحال تعبر الأمم المتحدة عن ضمير أمم العالم.. أم تعبر عن ضمير ميكرونيزيا. magdiahendi@hotmail.com