السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 بين قمم أربع في جهات مختلفة من الدنيا تأرجح العراق بين الخوف من مصيره والخوف عليه، فمن قمة فرانكفونية في فرنسا إلى قمة عدم الانحياز، في كوالالمبور، إلى مبتدأ القمم وأكثرها انكشافاً على التناقضات والسخرية في شرم الشيخ، وصولاً إلى قمة الأمم الإسلامية في الدوحة، حيث كان الفصل الثاني من انكشاف الأمة أنظمة وشعوباً، كان العراق حاضراً، وكان العجز سيد الموقف، وعلى جوانب الأطلسي غرباً كان الشارونيون الليكوديون في البيت الأبيض يتحدّون الإرادة والمنطق الدولي ويزمجرون بالحرب حلاً أولاً وأخيراً. نحن اليوم في الدقائق الأخيرة من الساعة الرابعة والعشرين، فيما يخص الحرب، الولايات المتحدة فرضت منطق (مستشفى المجانين) كحل الأزمات الكبرى، بينما يركض حامل الإرث الديغولي الرئيس الفرنسي الذي تلبّس عباءة ديغول واستراح إلى تبعات الزعامة، يركض شيراك يميناً وشمالاً وأمام عينيه زعامة أوروبية يريدها ألا تفلت من فرنسا ذات الأمجاد والثقافة وبلد العلم والنور والفلسفات، كما انه يعي تماماً مصالح قارته التي عيرته أميركا طويلاً بشيخوختها، ومصالح حلف أوروبي ووحدة أوروبية وسوق أوروبية، بذل فيها الأوروبيون قروناً من الحروب والدماء والضحايا والخراب ما لم تعرفه الولايات المتحدة، وما لم تذقه، وما ليست حريصة عليه، أما هم الأوروبيون أصحاب الثقافة الغائرة في الزمن والحضارة الضاربة في أعماق الدنيا فيعرفونه جيداً، ولا يريدون تكراره. قالت لي سيدة انجليزية متقدمة في العمر، ومن أولئك الذين شاركوا في مظاهرات السبت الشهيرة في لندن هي وأفراد عائلتها: نحن الأوروبيون نقدر قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ولا ننكر بأن حكوماتنا قد خاضت حروباً غير أخلاقية في الماضي عندما كان الاستعمار وصراع الامبراطوريات سمة القرون الماضية، لكننا اليوم لا نريد التورط في المزيد من الجرائم والحروب اللاأخلاقية، نحن ضد الحرب، وضد إرادة الولايات المتحدة، وضد سياسة رئيس الوزراء توني بلير وجاك سترو.. انهم يفتشون عن مصالحهم، وليس لبريطانيا أدنى مصالح في ضرب العراق.. العكس هو الصحيح! اليوم وأكثر من أي وقت مضى، عندما كانت مقاطعة أميركا حركة ايديولوجية لاثبات الانتماء لليسار أو للماركسية أو لمجرد الرفاه الثقافي الايديولوجي، اليوم تبدو الإدارة الأميركية الحالية، بمن يقف إلى جانبها في رغبتها المجنونة لضرب العراق، معزولة عالمياً، ومكروهة على مستوى ارادة شعوب الدنيا شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، مسلمين ومن جميع الديانات، حيث الانسانية ملتفة حول ضمير متوحد يقظ، وحول ارادة جماعية ما زالت متمسكة بالمنطق والأخلاق، في الوقت الذي تريد فيه الإدارة الشارونية القابضة على زمام البيت الأبيض أن تتجاوز ارادة العالم، والعقل والمنطق وشرعة الأخلاق، لتكرس منطق الامبراطورية الحمقاء على الطريقة الأميركية ارضاء للوبي الصهيوني ولاسرائيل التي صارت بكل فجورها السياسي والارهابي تعلن عن موعد الضربة المنتظرة ضد العراق وكأنها المخولة الوحيدة بإعلان ساعة صفر الحرب. في التاريخ السحيق، لم تخش (أورشليم) إلا من (بابل)، وفي الذاكرة اليهودية ما زال السبي البابلي ماثلاً كما هي الهولوكست! وما زال الصهاينة يلعبون اللعبة القذرة ذاتها: الابتزاز وتدمير العالم من أجل مصالح حفنة من شذاذ الآفاق بإمكانهم، أو صار بإمكانهم، القبض على عنق الإدارات الأميركية بأموال لا حدود لها يضخونها في عروق حملات الانتخابات التي تحمل الرئيس المختار للبيت الأبيض! وفي الانتخابات التي جاءت بهذا الرئيس الذي يقودنا نحو الهاوية مبتسماً بشكل بغيض، كانت الحرب على العراق احدى الصفقات التي تمت المساومة عليها بين الدافعين والمدفوع لهم، ولذلك تعطي (اسرائيل) نفسها حق إعلان الحرب بصفاقة لا تشبهها سوى صفاقة كل ساكني البيت الأبيض! الحرب بين أميركا وبين العالم.. هكذا انتهت حكاية بابل هذه المرة!! Aishasultan@hotmail.com