السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 سواء وقعت الحرب او لم تقع فإن تيار التغيير السياسي الذي ينتظم عالم اليوم الآن لن يتوقف. فنحن الآن نشهد في الحقيقة تشكل نظام عالمي جديد. لاخذ فكرة سريعة عن صورة الغد الدولي يكفي القاء نظرة على المشهد الدراماتيكي المتحرك في مجلس الامن الدولي الذي يتمحور حول شن او عدم شن حرب على العراق. فتاريخ الامم المتحدة الذي يمتد حتى الآن لنصف قرن تقريبا لم يشهد معركة دبلوماسية بين القوى الدولية اطول واشرس من المعركة الدائرة حالياً.. ولا حتى في عهد الحرب الباردة. حتى نهاية الحرب الباردة مع مطالع عقد التسعينيات في القرن الماضي كانت الولايات المتحدة تخشى التعامل مع مجلس الامن الدولي تخوفاً من الفيتو السوفييتي. لكن الامر اختلف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزواله. فقد تراءى للادارات الاميركية المتعاقبة منذ ذلك الحين ان مجلس الامن الدولي اصبح مجرد امتداد لمجلس الامن القومي الاميركي. الآن ينقلب الحال مرة اخرى والحركة الانقلابية تبتدرها قوة دولية من المفترض ان تكون من اسرة الحلفاء الغربيين. ففرنسا تقود الآن ـ من منطلقات الاستقلالية القومية ـ حركة تمرد دولي ضد قوة عظمى ظنت انها بعد زوال القوة السوفييتية العظمى اصبحت القوة الدولية الاحادية التي تقرر مصير العالم وفقاً لتوجهاتها. في المشهد الدولي الراهن نرى فريقين متضادين: الولايات المتحدة ومعها بريطانيا على جانب وفرنسا ومعها المانيا وروسيا والصين على الجانب الآخر. ولا نحتاج لنظارة طبية لندرك مغزى ملامح الصورة. فالمغزى هو ببساطة اننا نرى عالما جديدا متعدد الاقطاب. وسواء اندلعت الحرب الاميركية الموعودة على العراق او لم تندلع فإن هذه ستكون صورة عالم الغد القريب. اشتعال الحرب سوف يكون عامل تسريع لهذا التحول.. ولكن حتى لو تراجعت الولايات المتحدة عن خيار الحرب في اللحظة الاخيرة فإن تيار التغيير الدولي الذي انطلق بالفعل لن يتوقف.. بل ولن يتراجع. فالمسألة العراقية ليست سوى شرارة اشعلت تراكمات من التذمر الدولي ضد احادية الولايات المتحدة وما اطلقت عليه «النظام العالمي الجديد». هذا ما سوف يسجله المؤرخون في المستقبل. «عالم متعدد الاقطاب» هو عنوان رئيسي عريض. وتحت هذا العنوان سوف تحدث متغيرات عديدة بعناوين فرعية. سوف نرى في سياق هذه المتغيرات انهيار اكبر تحالف جماعي عسكري في التاريخ البشري ـ الحلف الاطلسي الذي ظل يربط بين الولايات المتحدة واوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتمرد الاوروبي الذي تقوده الآن كل من فرنسا والمانيا هو في جزء منه تعبير عن ادانة تاريخية للحلف الاطلسي كاداة اميركية لترهيب دول وشعوب اوروبا وضمان خضوعها السياسي والاقتصادي لمتطلبات الهيمنة الاميركية. وما سنراه غدا هو انضمام المزيد من الدول الاوروبية إلى حركة التمرد بسبب ضغوط شعوبها. سوف نرى ايضاً اتساع وتصاعد ثورة الشارع في اوروبا والولايات المتحدة على حد سواء وانعكاس هذه الثورة على بنية المؤسسات الديمقراطية في الغرب. واذا اخذنا في الاعتبار ان القوى السياسية التي تنفرد حالياً بتحريك جماهير الشارع في الغرب هي منظمات وحركات جديدة صاعدة كمنظمات مناهضة العولمة فإننا ندرك ان العد التنازلي للاحزاب التقليدية التي تحتكر تبادل السلطة فيما بينها ربما يكون قد بدأ. ففي مظاهرات الملايين في واشنطن وسان فرانسيسكو ونيويورك ولندن وروما وبرلين وغيرها لم يكن هناك وجود للحزب «الجمهوري» او الحزب «الديمقراطي» في الولايات المتحدة ولا حزب «المحافظين» في بريطانيا ولا الاحزاب الديمقراطية المسيحية في ايطاليا والمانيا. بكلمة موجزة نقول: من خلال التفاعل مع المسألة العراقية اثبت الشارع الغربي وجوده دون شك كقوة سياسية جديدة طاغية على المشهد السياسي المحلي. واذا اخذنا في الاعتبار ايضاً ان كل الاحزاب التقليدية في البلدان الغربية تخضع بدرجات متفاوتة للنفوذ اليهودي الصهيوني فإن تحرك الشارع في العواصم الغربية انطلاقاً من تعاطف مع دولة عربية ورفض عدوان غربي عليها يمكن تفسيره على نحو ما بأنه صوت احتجاج على المؤسسة السياسية اليهودية في الغرب. واذا تطور هذا التحرك فإن اوروبا والولايات المتحدة سوف تشهدان عهدا جديدا من «معاداة السامية».. ومما يلفت الانتباه في هذا السياق ان المظاهرات المليونية في الغرب بقدر ما كانت تحمل شعارات معادية للحرب على العراق كانت تحمل ايضاً شعارات تأييد للشعب الفلسطيني. ولن يطول الوقت قبل ان يتحول شعار التأييد للشعب الفلسطيني غدا إلى شعار ادانة صريحة لاسرائيل. والليالي من الزمان حبالى.