السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 في الساعة السابعة من صباح كل يوم ينطلق أسطول من أتوبيسات «فولفو» زرقاء وبيضاء عددها أربعون أتوبيسا على الطريق السريع الذي يشق صحراء النقب. وبعد ستة أميال تنحرف يمينا وتسلك طريقا فرعيا ثم تتوقف بعد نصف ميل أمام حاجز عسكري. يقوم جنود الحاجز بتفتيش الأتوبيسات ثم يسمح لها بالعبور. وبعد نحو ميلين داخل الصحراء تتوقف الأتوبيسات ثانية امام اشارة حمراء. لتجري عملية تفتيش أخرى. لكن. أكثر صرامة. لو كنت في هذه اللحظة هناك لرأيت السور المكهرب لمفاعل ديمونة وقد حاصرته نباتات برية تشبه الأحراش وتكاد تخفي سور المفاعل. أكثر المؤسسات الاسرائيلية سرية. والرمل الموجود داخل منطقة السور يجري تسويته كل يوم بواسطة جرار جاهز للحركة كي يسهل كشف اثار أقدام الغرباء والدخلاء. وتستكمل الحراسة المفتوحة العينين بدوريات مشاة وأسراب هليكوبتر. وفي أعلى التلال المحيطة بالمكان نقاط مراقبة يقظة. تقوم أتوبيسات «الفولفو» بهذه الرحلة ثلاث مرات يوميا لنقل العاملين في المفاعل. الوردية الأولى تبدأ في السابعة والنصف صباحا. والثانية تبدأ في الثانية والنصف عصرا. والثالثة تبدأ في الحادية عشرة والنصف ليلا. وتحمل هذه الأتوبيسات في دوراتها الثلاث 2700 عالم وفني وموظف. «وتتطلب دواعي السرية ألا يعرف معظم العاملين سوى مايوكل إليهم من مهام. وليس متاحا أن يتكلموا حتى الى أقرب الناس اليهم. وعقوبة ذلك المحاكمة العسكرية والسجن 15 سنة. وعندما ينزل العاملون من الأتوبيسات يتفرقون على أقسام المفاعل المختلفة. وكل قسم يسمى «ماخون». والماخون وحدة انتاج مستقلة. وتوجد 10 ماخونات. أهمها ماخون واحد. وهو المفاعل النووي نفسه. وهو بناء قطرة 60 قدما تعلوه قبة فضية اللون. أما ماخون «2» فهو من طابقين. يقع تحت الأرض. جدرانه سميكة. تتحمل القصف الشديد. ولا يسمح بدخوله الى لنحو 150 شخصا فقط. وفيه تتحول الذرة الى سلاح مدمر. حيث تنتج أجزاء السلاح النووي. وتتجمع لتصبح رؤوسا نووية. ويختص ماخون «4» بغمر النفايات المشعة بالقار وتعبأ في براميل يجري دفنها في الصحراء. وفي داخل المفاعل حجرة عرض خاصة للزوار المهمين. لا يدخلها سوى رئيس الوزراء ووزير الدفاع وقادة المخابرات «حيث يراقبون تطور العمل فيما يسمى «همب». وهو الاسم الرمزي الذي أطلقته اسرائيل على أحدث برامجها لتصميم القنبلة النووية حسب ماكشفه مردخاي فانونو. ومردخاي فانونو فني اسرائيلي عمل في ديمونة 10 سنوات وهو صاحب القصة الصحفية الشهيرة التي نشرتها على لسانه صحيفة «صندي تايمز» منذ سنوات. وكشفت لأول مرة حقيقة مايجري داخل المفاعل النووي الاسرائيلي. وقد كان عمره في ذلك الوقت 31 سنة. ونجح في التقاط نحو 60 صورة. عرضت على خبراء الذرة في بريطانيا والولايات المتحدة فصدقوا ماقال. منهم البروفيسور تيودور تايلور الذي تتلمذ على يد أوبنهايمر مصمم القنبلة الاميركية ورئيس برنامج الاسلحة النووية في البنتاجون فيما بعد. ومنهم البروفيسور فرنك بارنابي عالم الذرة البريطاني الشهير. وغيرهما من الخبراء الذين أكدوا: أنه «لم يعد أي مجال للشك في أن اسرائيل دولة نووية بالمعنى الكامل والدقيق للكلمة منذ بداية السبعينات على الأقل». و«أنها قادرة على انتاج قنابل نووية أصغر حجما وأخف وزنا وأكثر فاعلية من النماذج الأولى للأسلحة النووية التي طورتها الدول النووية الكبرى». وفانونو يهودي من أصل مغربي. ولد في مراكش. كان أبوه يملك حانوتا صغيرا. هاجر الى اسرائيل في عام 1963. وعاش في بئر سبع ودخل الجيش وخدم في الجولان. وبدأ العمل في ماخون «2» عام 1977. وكان يحمل جوازا أمنيا رقم 8 - 9657 لدخول ديمونة. وجوازا أمنيا اخر يختص بماخون «2» يحمل رقم 320. ولو صح ماقاله فإن اسرائيل تصبح القوة النووية السادسة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين الشعبية. كذلك فإنها تكون قد انتهت من صنع ما بين 300 - 400 سلاح نووي بقدرات تدميرية مختلفة. بخلاف ذلك فإنها تنتج قرابة 40 كيلو جرام من البلوتونيوم سنويا. «وهذه الكمية كافية لصنع عشر قنابل نووية». وهو ما يعني انها قادرة على نسف الشرق الأوسط بأكمله في دقائق معدودة. انها في الحقيقة هي شيطان اسلحة الدمار الشامل وليس العراق. لكن. عندما تصاب القوة الوحيدة المتحكمة في العالم بالحول فإنها تنظر الى اسرائيل. لكنها تنزع أسلحة العراق. ان الولايات المتحدة التي تفتش عن أسلحة الدمار الشامل في كوب لبن بين شفاه طفل عراقي لا تنظر الى ذلك الديناصور النووي والكيمائي والجرثومي الذي لا تخطئه العين. لكن. ما باليد حيلة. انها شريعة القوة عندما تفتقد العدل. وشريعة الغطرسة عندما تصاب بعمى الألوان السياسي. الغطرسة علامة جودة اسرائيلية. وهي تفصح عن نفسها ولو بالمؤامرة. فهناك من اشار الى ان مافعله فانونو مسرحية مدبرة صاغتها اسرائيل من باب سياسة الاعلان غير الرسمية التي تتبعها للتأكيد على أنها قوة نووية دون أن تعترف بذلك. ويدعم ذلك قصة القبض عليه وترحيله الى اسرائيل. لقد التقى فانونو بفتاة تدعى.«سنيدي» في ميدان عام في لندن. ميدان «ليستر سكوير» السياحي. وتعرف عليها. وقبل عودتها للذهاب الى روما. حيث قامت المخابرات الاسرائيلية باختطافه. حسب ماقيل. فهل كان فانونو بهذه السذاجة ليستسلم لفتاة غريبة عرفها في ميدان عام وهو يعلم أن كل رجال المخابرات الاسرائيلية يتعقبونه؟. ثم ماهو دور المخابرات البريطانية والمخابرات الايطالية. هل كانت غافلة عنه؟. وقد طلب شقيق فانونو واسمه مائير قبوله مهاجرا في بريطانيا. فهل كان ذلك مزيدا من الحبكة الدرامية؟. إن اسرائيل لم تعلق على ما قال ومافعل فانونو. ولكنها فور أن اعادته سارعت بمحاكمته. وحظيت المحكمة باهتمام نافس الاهتمام بمحاكمة ايخمان الجنرال النازي الذي خطفوه من مخبأه في اميركا اللاتينية وحاكموه واعدموه في تل أبيب بتهمة حرق اليهود. ورغم أن المحكمة حكمت على فانونو بالسجن فإن السؤال الذي ظل بلا اجابة: هل هو خائن أم بطل قومي؟ على انه مهما كانت الاجابة فإن الخبراء أكدوا أن شهادته مقنعة تماما. وقالوا: «كنا ندرك في أعماقنا ان مصدر المعلومات حقيقي ولكننا الآن مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بصحة هذه المعلومات». لقد جزم فانونو بأن اسرائيل «ليست قزما نوويا». بل هي «قوة نووية رئيسية في العالم». وهي قوة لا يعرف حتى أقرب الأصدقاء اليها الكثير عنها. ففي عام 1976 حاول الكونجرس الاميركي اجراء تحقيق خاص حول «الجهود الاسرائيلية في المجال النووي» انتهى الى شعور بالغضب والتذمر لافتقار الولايات المتحدة لأي معرفة تفصيلية حول «أهداف منشآت الأبحاث النووية في ديمونة وطبيعة التجارب التي تجري فيها». وماجعل المهمة شديدة الصعوبة ان اسرائيل لم تحصل على اليورانيوم اللازم لانتاج القنابل النووية من مصادر معلنة ومعروفة وانما حصلت عليه من عمليات قرصنة لم تثبت عليها بصورة قاطعة. لقد التقى موشى ديان «العجل الذهبي في جيش الدفاع الإسرائيلي» وأرنست برجمان رئيس أول لجنة للطاقة النووية الاسرائيلية في أكتوبر عام 1963 بإيسر هرئيل رئيس الموساد في ذلك الوقت. وكان هدف الاجتماع شديد السرية هو الحصول على الكعك الأصفر أو اليورانيوم. إن انتاج اسرائيل من اليورانيوم لا يكفي «10 أطنان» ومفاعل ديمونة يحتاج الى 24 طنا. والعالم يفرض شروطا صارمة ومحكمة للحصول عليه. فماذا تفعل؟. قال موشى ديان: «إذا لم نستطع شرائه فعلينا أن نسرقه». وعلى الفور وضع الموساد خطة لاقناع احدى شركات اليورانيوم بتحويل بعض شحناتها الى اسرائيل وفي بداية عام 1975 وقع الاختيار على شركة أميركية في ولاية بنسلفانيا تعرف باسم «نوميك» وهي تلخيص لاسم شركة المواد والمعدات النووية«كان يرأسها الدكتور زلمان موردخاي شابيرو وهو يهودي اميركي ولد في ولاية أوهايو عام 1922 وعرف عنه بتطرفه الديني وبايمانه بأن كل مايملكه اليهود يجب ان يكون في خدمة دولتهم. وقد لعب دورا في اقناع علماء الذرة اليهود بالرحيل الى اسرائيل. وعينته الحكومة الاسرائيلية مستشارا فنيا لها. وأسس شركة منبثقة عن «نوميك» في اسرائيل سميت اختصارا «ايزوراد». ساهم فيها الاسرائيليون بنصف رأسمالها وكان نشاطها الظاهر حماية الفاكهة من الحشرات الضارة بواسطة المواد المشعة. وهو ماجعله يسلم للموساد نحو 200 كيلو جرام من اليورانيوم النقي على دفعات نقلت جوا الى ديمونة. وكانت مخصصة لشركة وستنجهاوس الاميركية التي كانت تبني غواصات نووية. وفي التحقيق معه بواسطة لجنة الطاقة الذرية الاميركية أدعى شابيرو أنه دفنها. واكتفت اللجنة بتغريمه 1134800 دولار عن اليوانيوم المفقود. وبعد التحقيق بيوم واحد ترك المحقق عمله في لجنة الطاقة الذرية واصبح مستشارا في شركة شابيرو. ولم توقف الحكومة الاميركية تعاملها مع الشركة بل منحتها أكبر عقد على الاطلاق لمعالجة وقود البلوتونيوم. نحو 2900 كيلو جرام على مدى 3 سنوات. وفيما بعد. فتح مكتب التحقيقات الفيدرالية ملف هذه الشركة ووضعت تليفوناتها تحت المراقبة «فاكتشف أن شابيرو يستخدم تليفونا له رموز سرية للاتصال المباشر بمكتب الملحق التجاري الاسرائيلي في نيويورك. ولم تمر عدة شهور حتى قرر ادجار هوفر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية القوى وضع كل مالديه من معلومات في تقرير «56صفحة» ارسله الى المسئول الامني عن لجنة الطاقة الذرية الاميركية وليم رايلي أوصى فيه بإحالة شابيرو الى القضاء لتلقى عقوبة الموت لانتهاكه الدستور «بقصد جلب المنفعة لدولة أجنبية». لكن. لجنة الطاقة الذرية لاذت الصمت. ثم سرعان ماأفادت أنها «لا تفكر» في اتخاذ أي اجراء بشأن هذا الموضوع». وابلغ المدعي العام جون ميتشد وكالة المخابرات المركزية بأن وزارة العدل طوت الملف واغلقت القضية تماما. لكن. قبل ان ينتهي الموضوع على هذا النحو كانت المخابرات الاسرائيلية قد بدأت عملية قرصنة أخرى لسرقة اليورانيوم. بكميات أكبر من أوروبا. وتعرف هذه العملية باسم عملية الرصاص. أو عملية بلومبات. وهي تتلخص في سرقة 200 طن من أكسيد اليورانيوم بعيدا عن رقابة المجتمع الأوروبي. وقد خطط للعملية واشرف على تنفيذها مدير الموساد الجنرال مائير عاميت الذي عرف أن جمعية المعادن في بروكسل تريد بيع كميات كبيرة من اليورانيوم حصلت عليها من شركة في الكونغو وتوجد في مخازن قرية قريبة من مدينة انتويرب. عاصمة الماس المصقول والخام في العالم. وقرر الموساد أن تشتريها شركة مجهولة في دولة أخرى. ووقع الاختيار على شركة «أسمرة» للكيماويات ومقرها مدينة فيسبادن الألمانية وهي شركة يملكها ضابطان سابقان في الجيش النازي هما هربرت شولزن وهربرت شارف. ورغم ان نشاط الشركة المعلن تعبئة الصابون السائل فإنها كانت تبيع لاسرائيل آلات تصوير جوية تعمل بالأشعة تحت الحمراء. وكان نجاح الشركة في مثل هذه الصفقات غير المشروعة سببا في الاعتماد عليها في صفقة اليورانيوم التي قدرت في ذلك الوقت بنحو 4 ملايين دولار. وحتى تبعد أسمرة الشبهة عنها أسست شركة صغيرة مؤقتة في الدار البيضاء لتبعد الشك عنها وربما تلصقها بالعرب. لكن الخطة تغيرت واختيرت ميلانو لتكون مقرا للشركة الجديدة التي سميت «سكايا» ووضع على رأسها مسئول وهمي اسمه فرانسيسكو سيرتوريو كان كل ما عليه أن يوقع أوراقا لا يعرف عنها شيئا مقابل حصوله على 120 ألف دولار. وهكذا أصبحت الشحنة جاهزة. ولها شركة مسئولة عنها. لكن، من ينقلها الى اسرائيل؟. لقد سجلت شركة ملاحة في ليبريا اسمها بيساكاين في ساعات قليلة. من أجل نقل هذه الشحنة فقط. واشترت هذه الشركة سفينة شحن المانية اسمها شيرزبرج بنحو 400 ألف دولار وسجلت في ليبريا ورفعت علمها. وقد أبحرت من هامبورج الى روتردام وهناك تغير طاقمها واستبدل بآخر بقيادة قبطان بيتر بارو. وبينما السفينة تغادر روتردام كانت شحنة اليورانيوم في انتويرب تعبأ في 560 وعاء معدنيا سعة كل منها 200 لتر. كتب عليها بلومبات، أو رصاص. لم يكن قرار الافراج عن اليورانيوم سهلا. فهيئة اليوتورم «الهيئة الأوروبية للطاقة» لم توافق على بيع الشحنة للشركة الا بعد أن تدخلت قوى سياسية عليا لارخاء الحبل. وكشف فيما بعد أن هذه القوى هي الدكتور هنري كيسنجر «وزير الخارجية الاميركي الشهير في بداية السبعينات وهو ألماني يهودي أصلا». وكانت هناك صفقة واضحة. أن يخرج اليورانيوم تحت غطاء الحكومة الألمانية مقابل أن تعطيه اسرائيل آخر ما توصلت اليه من أبحاث عن عملية الانشطار النووي وتخصيب اليورانيوم المستخدم في الأسلحة النووية. وصلت السفينة شيرزبرج الى انتويرب وتسلمت 208 أطنان من الرصاص وهو وزن الشحنة مع أوعيتها. وبعد ساعات استعدت للابحار مرة ثانية. ولم يجد رجال الجمارك مايشكون فيه. واتجهت الى السواحل البلجيكية ثم دخلت بحر المانش حتى أصبحت في المحيط الأطلنطي. ثم عبرت مضيق جبل طارق. وبدلا من أن تتجه الى جنوة اخذت طريقها الى المشرق لتعبر مضيق صقلية. وبعد أيام أصبحت في الجزء الشرقي من البحر المتوسط. وعندما تركت جزيرة قبرص وجدت على يمينها سفينة عسكرية اسرائيلية يرافقها طردان. وبعد ان التصقت السفينتان نقلت الشحنة الى السفينة الاسرائيلية. وجرى ذلك في هدوء. وخلال 4 ساعات فقط. واتجهت السفينة الاسرائيلية الى حيفا بينما واصلت شيرزبرج ابحارها الى ميناء اسكندرونة في تركيا. ونقل اليورانيوم من حيفا، ولم تعرف هيئة الطاقة الأوروبية بمصير اليورانيوم الا بعد عدة شهور. فأمرت بفتح ملف للتحقيق. الا انه سرعان ماأغلق. وبعد حصولها على هذه الكمية من اليورانيوم لم يعد أمام اسرائيل مشكلة في الحصول على عشرات من القنابل النووية. لكنها لم تكتف بذلك. كان عليها مهمة أخرى أهم. أن تحرم العرب وعلى رأسهم مصر من الحصول على القنبلة النووية. لتحقيق مايسمى بالتوازن النووي. وهذه قصة أخرى مثيرة تستحق أن تروى هذه الأيام بالذات. ـ كاتب مصري