السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 تتخذ أشكال الاحتجاج عدة طرق للتعبير عن سخط واستياء الآخرين ضد شخص أو نظام أو مؤسسة أو دولة ضد دولة أخرى. من الأشكال الجديدة للاحتجاج ان مجلس النواب الأميركي شطب البطاطا الفرنسية من قوائم مطعمه احتجاجاً على موقف الديغولي جاك شيراك من حرب أميركا المحتملة على العراق. وشيراك يعني فرنسا وليس شيراك، كما هو الحال في العراق، فصدام حسين يعني صدام حسين ولا يعني العراق، إلا أن الأميركيين يفهمون الأشخاص دولاً ويسحبون عبرهم مواقف سياسية حيث ستعمد مؤسسات رسمية أميركية إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، البضائع وليس الثقافة، لأنه لا يوجد عاقل على الأرض يقاطع ثقافة الآخر من موقع الكراهية، فالثقافة شأن انساني والبضائع والسلع تجارة وربح وخسارة. وبهذا الصدد نذكر ان احدى المشكلات قامت بين دولة عربية وبريطانيا، فسارعت تلك الدولة إلى اغلاق المراكز الثقافية البريطانية بدلاً من محاربة البضائع البريطانية، وتحوّلت الحرب من موقع الاحتجاج إلى موقع الخسارة، فقد تراجعت لغة شكسبير العالمية في تلك الدولة، ولكن بقيت سيارة الجاغوار تسرح وتمرح في الشوارع بين أيدي أولاد المسئولين وكبار الموظفين الحكوميين. الأميركيون لا يقاطعون فيكتور هوغو ولا أديث بياف ولا جان جاك روسو ولا اللغة الفرنسية عبر نتاجها الثقافي الانساني، لكنهم أقدموا عبر مؤسسة وطنية على مقاطعة منتج فرنسي بامتياز ألا وهو «البطاطا المقلية الفرنسية» وتحول الاسم إلى بطاطا الحرية. وكذلك فعلوا مع الخبز الفرنسي «التوست» وتحول اسمه إلى خبز الحرية، ولأن الحرية مرتبطة بمباديء وقيم انسانية فقد أهدى الفرنسيون إلى الأميركيين تمثال الحرية عام 1886 الذي نحته الفنان الفرنسي فريدريك أوغست بارثولدي عام 1884 رمزاً للحرية والديمقراطية والصداقة. وقد وصل هذا التمثال إلى نيويورك بعد سنتين، حيث قال عنه الرئيس الأميركي غروفر كليفلاند «لن ننسى ان الحرية قد اتخذت لها بيتاً هنا». في حين أهدى الأميركيون إلى فرنسا نصراً على الألمان عبر انزال آلاف المظليين عام 1944 في منطقة النورماندي، ومن ثم أهدوهم مبنى مونبرناس المؤلف من 59 طابقاً يعتبر المبنى الأعلى في باريس، لأن معظم أبنية العاصمة الفرنسية مؤلفة من خمسة أو سبعة طوابق يمكن للزائر ان يشاهد العاصمة الفرنسية من كل الاتجاهات حين يعتلي الطابق الأخير من المبنى. هذا يعني أن تاريخ العلاقات الدولية بين البلدين حافل بالاهداءات، ولكن غطرسة الادارة الأميركية الحالية مزقت رسائل الغرام بين بلدين عملاقين، فقد انتصر شيراك للحرية كمفهوم انساني شامل، بينما يصر بوش على أن الحرية طاعة عمياء للأقوياء. وإذا كنّا نحن نرى ان المقاطعة سلاح جيد ضد الطغيان، فحري بنا أن نتعلم الدرس ونقاطع ما يؤذي الاقتصاد الأميركي وليس عبر زجاجة مشروب غازي أو وجبة طعام سريعة، حيث أن مئات المليارات من الأموال العربية مودعة في البنوك الأميركية، ويكفي العمل على تحريكها باتجاه بلد آخر لتحدث تلك الهزة في الاقتصاد المتغطرس، وعندها سندرك ان 800 مليار دولار في بنوك أميركا ليست كلاماً فارغاً، انها قوة الأثرياء حينما لا تنفع قوة أخرى. لكن السؤال الأصعب.. ترى هل ستسمح أميركا بتحريك تلك الأموال؟ مجرد سؤال نتذكر من خلاله الأموال العراقية المجمدة في البنوك الأميركية، ومن قبلها الأموال الايرانية، ولا ندري أموال من ستُجمّد بعد! Email: h-s-d@maktoob.com