السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 في خضم الاحداث المتلاحقة في الازمة العراقية غابت تفاصيل ربما يراها البعض وخاصة القائمين على الاعلام جزئية، في ضوء الانظار المشدودة الى الانقسام الحاصل دولياً بين معسكري الحرب والسلام وما بينهما من معارك دبلوماسية حامية الوطيس. ومن بين تلك التفاصيل التي لم يلق عليها الاعلام الضوء بالقدر الكافي الظروف التي يحياها اشقاؤنا سواء في الكويت التي تتدفق عليها الحشود العسكرية او في العراق الذي ينتظر حمم اللهب التي ستصبها تلك القوات على ام رأسه. شعور بالفزع وهي الكلمة الاخف وطأة ينتابني كلما تخيلت سيل القنابل والصواريخ وباقي منظومة اسلحة القتل والدمار وهي تنهمر على اناس لا ذنب لهم فيما يجري سوى ان حظهم العاثر شاء ان يضعهم فوق بركة من الثروة يتناهشها ذئاب العالم. وبالمقابل ماهو احساس الاخوة في الكويت اولئك الذين يدركون بخبرة حرب الخليج الثانية ان الحرب ليست نزهة لجنود جاءوا من اقصى الارض لتأكيد وضع ايديهم على ثروة هائلة من مخزون الطاقة العالمي؟ النفس البشرية واحدة والاحساس بالخوف من مصير غامض امر طبيعي، ولا يحتاج الى مزايدة عندما تدور عجلة الحرب وتتحول الارض والسماء وحتى الماء في بعض الاحيان الى جحيم مستعر. تركيز الاعلام سواء العربي والدولي الا فيما ندر ـ على الحشود العسكرية وسيناريوهات الحرب من جانب والمعارك الدبلوماسية لمنع وقوعها على الطرف الآخر غيب في طريقة البعد الثالث للصورة سواء ذاخل الكويت او العراق رغم ان طلقات الكاوبوي الاميركي ستكون بذات التأثير مستقبلا على المنطقة برمتها وليس العراق الكويت وحدهما. الصحراء الكويتية التي نثرت غبارها الشديد قبل ايام في وجه الجنود الاميركيين والبريطانيين في طقس غير موات تعكس جانبا من صورة الظروف المتربة التي تحاصر المواطن الكويتي العادي في هذه الايام حيث يدفع البسطاء من المواطنين الكويتين والمقيمين على ارضها الثمن من استقرارهم واحساسهم بالحياة الطبيعية في بلد انقلب رأساً على عقب مرتين في حقبة زمنية واحدة. نحن هنا لسنا في باب الحديث عن المواقف السياسية لهذا النظام او ذاك بقدر الرغبة في تأمل تداعيات المشهد على الظروف المعيشية التي لا تبعث بأي حال من الاحوال على التفاؤل والشعور بالامان في المدى المنظور، فالكل يعلم ان العم سام لم يأت الى المنطقة حباً في هذا الطرف او كرهاً مطلقاً للطرف الآخر بقدر حرصه على مصالحه القومية وتثبيت اركان تفرده بالساحة الدولية. وعندما تأتي الانباء بقيام البعض بالسفر الى لبنان او الاردن درءاً للخطر يجب الا نلوم اصحاب هذا الموقف بل نتعاطف انسانيا مع متخذيه باعتباره سلوكا فطريا، فالحرب ليست فيلما تسجيليا تعرضه احدى الفضائيات! واذا كانت بعض الدول التي تقيم رعاياها في المنطقة وضعت خططاً لاجلاء هؤلاء تجنباً للمخاطر.. ماذا يفعل اصحاب الدار القريبة من النيران الموشكة على الاندلاع. أسوأ من الحرب انتظارها، عبارة نتداولها كثيراً هذه الايام، لكن وطأة الانتظار تختلف في العراق، الذي دخل ابناؤه مرحلة بناء الخنادق وتخزين المواد الغذائية والوقود الذي يبدو انه سينافس القنابل الاميركية في حصد ارواح الابرياء. هذه اسرة باكملها ـ عدا الزوج ـ التهمتها النيران قبل ان يطلق بوش رصاصاته، الاسرة المنكوبة كانت تحت الخوف من القادم حول منزلها المتواضع إلى مستودع لتخزين الغذاء جنباً إلى جنب اوعية الوقود واسطوانات الغاز وفي لحظة اشتعلت النيران في كل شيء مخلفة رماد الحثيث التي فشل الاب في انقاذ اصحابها. المشهد عرضته ـ قبل ايام ـ واحدة من الفضائيات وهو يضعنا في قلب المأساة التي تسد على الاشقاء في العراق طريقهم فما بالنا اذا وقعت الحرب فعلاً؟! صورة اخرى جاءت بين سطور تقرير اعدته وكالة انباء غريبة عن مصير نزلاء ملاجيء الايتام العراقية، التساؤلات الحائرة التي ابداها الصغار ممن فقدوا ذويهم في حرب 1991 كفيلة وحدها ببعث الحسرة في كل ذي قلب يعي فقدان العيش وسط اسرة صغيرة في ظروف طبيعية. فماذا عمن لا راعى لهم سوى المؤسسات الاجتماعية المرشحة بالانهيار بفعل الحرب. تقول هند وهي احدى نزيلات ملجأ للايتام تديره الحكومة وفقد اباها في حرب الخليج الثانية: «لقد دمرتنا حرب الخليج الاولى.. لقد جعلتنا ايتاماً بؤساء، توجه والدي للمشاركة في المعركة ولم يعد ابداً واعلن عن فقده اثناء القتال.. اصيبت والدتي بصدمة جعلتها حزينة دائماً وسرعان ما توفيت بعد ثمانية اشهر». نموذج واحد مما يحفل به التقرير من نماذج لايتام فقدوا ذويهم بسبب الحرب تعتصرهم الخوف من المجهول الآن وبتعبير سلمى محسي المشرفه على الدار فإن عقولهم تمتليء بالاسئلة التي تدور حول الحرب المحتملة وفي مقدمة تلك الاسئلة «اين سنذهب اذا ما اندلعت الحرب» أين سنقيم و... ومن الذي سيرعانا»! البعض يرى ان علينا كعرب ان تدفع بالدم ثمن تطهرنا من انحطاط اخلاقي سمح بتولي امورنا انظمة ديكتاتورية من نوعية صدام حسين وامثاله واننا جميعاً مشاركون فيما وصلت اليه بصمتنا او حتى تواطؤنا لسنوات طويلة مع انظمة نعلم سلفاً انها ستقودنا إلى مثل هذه الكوارث. هذا الرأي ـ القاسي ـ يتغافل ان المواطن العربي لم يكن له يد في اختيار تلك الانظمة وان الضحايا لا حول لهم ولا قوة امام العصى المكهربة والزنازين المسيجة بوسائل صنعت في الغرب وبمساعداته وهو الذي يتشدق الآن بوعود الديمقراطية ورياح التغيير الكاذبة لتحرير مشروعه الاستعماري الجديد. جلد الذات اقرب طريق للهرب من مواجهة الحقائق.. فهذه الذات التي تنهال عليها تقريعاً هي نتاج خصب طويل من الصراعات والتكالب سواء لقوى خارجية او داخلية على مواطن لم يعط فرصة التقاط الانفاس من استعمار قديم إلى آخر مقنع بوجه وكلاء محليين ثم العودة مرة اخرى إلى الصورة السافرة القديمة. اذن لا يحق لاحد ان يتحدث عن تعميد بالنار وتطهير للذات من انحطاطها بالكي وهو يختزل المشهد في صمت البسطاء وقود الحروب التي لم يكن لهم يد فيها من قريب او بعيد. المواطن العربي المسكين لا يتحمل مثل هذه الاتهامات من نوع الانحطاط الاخلاقي وما شابه.. فحلمه البسيط في كسرة خبز شريفة ومهجع نوم ولو كان من الخوص يجعله دائماً في وجه المدفع.