السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 رغم أن ساحة مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الاستماع الى تقارير بليكس والبرادعي تتحول الى ما يشبه قاعة المحكمة، حيث يلجأ كل طرف الى كافة الطرق والأساليب للدفاع عن قضيته , إلا أنه من الملاحظ أن هناك العديد من الجوانب الدفاعية تبدو غائبة في مواقف الأطراف المعارضة للحرب على العراق , وهى تمثل قضايا مسكوتا عنها لأسباب متعددة رغم أن إثارة هذه القضايا تعزز موقف هذه القوى وتؤكد تهاوى الموقف الأميركي، وهو أمر يجب أن نضعه في اعتبارنا دون الإنسياق وراء تصور نبل الأهداف التي تدفع القوى المعارضة لاتخاذ مواقفها هذه. والمهم هنا هو كيف يمكن تكتيل هذه المواقف رغم براجماتيتها لصالح الهدف النهائي وهو إنهاء الأزمة العراقية سلميا. ورغم أن هذه القضايا تعرض لها البعض من زوايا مختلفة، إلا أنه لم يتم طرحها بشكل عام رسميا وخاصة في جلسات مجلس الأمن والتي تعد المحك الحقيقي لاختبار المواقف الدولية. ويأتي على رأس هذه القضايا الأساس القانوني الذي يقوم عليه المسعى الأميركي لشن الحرب بعيدا عن تفويض المنظمة الدولية ذلك أن التحرك لإجبار العراق على الإلتزام بالقرارات الدولية إنما يجب أن يتم من قبل الأمم المتحدة وليس أية جهة أخرى حتى في حال إدانة العراق ومن هنا فإن التحركات الأميركية تفتقد كافة مقومات الشرعية بما يجعل حربها حربا عدوانية، وهنا فإن الإقرار بالموقف الأميركي يعد إقرارا بالفوضى على مستوى النظام الدولى بحيث يصبح من حق كل دولة ان تخوض حربا ضد أخرى تعتبرها مارقة وهو ما يعنى في النهاية سيادة شريعة الغاب. ما يعزز هذا الطرح هو اللغة التي تتعاطى بها الادارة الامريكية مع الأزمة والتي تتسم بالغرور والعنجهية - بالمعنى الحقيقي وليس المجازي - تعكس منهجا عاما لا يعتمد سوى القوة لغة في التعامل مع الآخر سواء كانت مادية أو معنوية. ولعله انطلاقا من هذا التصور خرج علينا وزير الخارجية الروسي قبيل مغادرته نيويورك إثر جلسة الجمعة قبل الماضية ليعلن أن أى تحرك أميركي دون قرار من مجلس الأمن انتهاك للشرعية الدولية، فيما بدا وكأنه تجاوب مع الاستفزاز الذي تعكسه لغة الخطاب الأميركي. أما ثاني القضايا فتتمثل في تلك التي تتواكب مع فصول الأزمة العراقية، ولا تقل عنها خطورة, إن لم تكن اكثر خطورة، وهى أزمة كوريا الشمالية والتي تعتبر على عتبة تصنيع سلاح نووي وفي حين تعلن هذه الأخيرة تحديها الصارخ لكافة الدعوات الى الاستجابة لدعوات إنهاء الأزمة سلميا، فإن الولايات المتحدة التي تستأسد على العراق تبدو كنعامة أمام بيونغ يانغ. ولم يتطرق أى من أعضاء مجلس الأمن المعارضين للحرب الى هذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على الإزدواجية الأميركية وتأكيدها على أنها تعكس وجود أهداف أخرى للادارة الأميركية من الأزمة مع العراق. وحتى الإشارة التي عرض لها المستشار الألماني شرويدر في هذا الشأن لم تستوقف الكثيرين، ومن المتصور هنا أن يتم الدعوة الى تطبيق نموذج التعامل مع كوريا الشمالية على القضية العراقية. أما ثالث القضايا فتتعلق بقضية الترسانة النووية التي تمتلكها اسرائيل وخرقها للقرارات الدولية، فباستثناء ما اشار اليه الشرع في كلمته خلال جلسة الاستماع الأولى لتقريري بليكس والبرادعي لم يعرض أي من أعضاء المجلس لهذا الأمر في مناقشاتهم وكأنه من المحرمات. وهنا فإن المنطق يقتضي تبني مثل تلك الدعوة التي اطلقها مؤخرا عصام مخول العضو العربى فى الكنيست الاسرائيلى في رسالة الى كوفي عنان يدعوه فيها الى ارسال مراقبين دوليين الى اسرائيل للتفتيش عن الاسلحة البيولوجية والكيماوية واسلحة الدمار الشامل فيها باعتبار صعوبة قبول مفهوم ابقاء اسرائيل حرة فى بناء ترسانة اسلحة دمار من دون تدخل دولى. واذا كان العراق قد خرق 17 قرارا دوليا، حسبما ذكر ادوارد سعيد، فإن اسرائيل ضربت عرض الحائط ب64 قرارا دوليا للمجلس! ما نود الاشارة اليه هنا هو أنه اذا كانت الولايات المتحدة، وهي تقف على أرضية ضعيفة تستخدم كافة التبريرات وحتى الساذجة منها لتسويق موقفها، ومن ذلك ترديد كبار مسئولي الادارة الأميركية وعلى رأسهم الرئيس بوش نفسه تصريحات واهية تحاول التأكيد على أن من بين أهدافهم من غزو العراق تخليص الشعب العراقي من ديكتاتورية صدام, فلماذا لا يحاول معارضو الحرب استخدام كافة الحجج الممكنة لاكتساب التأييد لموقفهم سواء على مستوى الدول أو حتى الرأي العام الدولي. إن النتيجة التي نخلص اليها هى أن القوى المعارضة لم تصل الى سقفها المتاح في دحض الموقف الامريكي. ويجد هذا الموقف تفسيره في أن هذه القوى إنما تنطلق من اطار تحكمه مصالحها وهو ما قد يؤدي الى عدم صمودها حتى نهاية الأزمة, إزاء خشيتها على موقعها في النظام الدولى حيث ان التمادي في المعارضة قد يؤدي الى تقويض أسس هذا النظام ممثلا في الأمم المتحدة وإنشاء نظام جديد لا تتمتع فيه بنفس المزايا! هذا التفسير يجد صحته في حالة الميوعة التي يتسم بها الى حد ما موقف كل من روسيا والصين. غير أن الطريقة التي تدير بها الادارة الأميركية الحالية علاقاتها مع الاخرين تشير الى أن ثمة مشاكل عدة سوف تواجه هذه القوى الكبرى حال نجاح الأولى في فرض هيمنتها على النظام الدولى ومن هنا يبدو أهمية التضامن لمواجهة نزعة الهيمنة غير المسبوقة لدى واشنطن ذلك أن طبيعة الأزمة العراقية تفرض وجوب التخلي عن المصالح الآنية الضيقة التي يمكن أن تتحقق من جراء عدم الوقوف بحزم أمام الرغبات الأميركية. وهنا فمن المتصور، مواجهة التحركات الامريكية، عربيا ودوليا، مثلا بقرار مضاد للقرار الذي قدمته بريطانيا واسبانيا يتمثل في ضرورة توسيع نطاق عمليات التفتيش لتشمل المنطقة بأكملها، وهو ما قد يمثل نوعا من الارباك للخطط الأميركية ويضعها موضع الدفاع فيما قد يحقق نوعاً من التوازن في سباق السيطرة على مقدرات النظام الدولي