السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 شكلت حالة الاستقطاب العالمي وفوضى تجاذبات أعضاء مجلس الأمن وتجاذبات مماثلة في مجلس العموم البريطاني، لتشريع الحرب على العراق نواة مطالب وإن كانت محدودة حتى الآن، لكنها مرشحة للتعاظم مثل كرة الثلج بإطاحة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، الذي يمر بأصعب أزمة سياسية تواجهه منذ توليه رئاسة الوزراء قبل ست سنوات. في بريطانيا تتعالى اليوم دعوات تطالب برحيل بلير على الفور فاقمت من الجدل والانشقاق داخل حزب بلير وحكومته حول الانقياد الأعمى خلف الولايات المتحدة، وهدد نواب في حزب العمل ووزراء في الحكومة بالاستقالة احتجاجاً على سياساته إذا اشتركت بريطانيا في الحرب دون غطاء قانوني من الأمم المتحدة. وتستند تلك المطالب إلى مبررات تتشابه مع ما يسوقه بلير في تبرير الحرب على العراق ونزع أسلحته وإطاحة الرئيس العراقي صدام حسين، فهو يتهم صدام بانتهاك قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية، في نفس الوقت الذي يحشد قواته للحرب إلى جانب الولايات المتحدة استعداداً لحرب اختيارية لا تفرضها أية دواعٍ أمنية وطنية بريطانية بل أطماع الهيمنة والسيطرة على العالم بالاشتراك مع الولايات المتحدة. ولا تؤيدها سوى أصوات محدودة تروج تحت دعاوى وحدة مجلس الأمن بالاستسلام لمنطق بلير وبوش. أزمة بلير اليوم أكبر من أزمة صدام حسين وهو محاصر ومهدد بالسقوط أكثر، فذهابه للحرب أو تراجعه في ظل المعارضة الداخلية في صفوف شعبه وحزبه وحكومته يعني انتحاراً سياسياً، لذلك قامت الدبلوماسية البريطانية بإعادة تموضع عبر صياغة تعديلات تجميلية على مشروع القرار المعروض أمام مجلس الأمن الذي يمنح الاذن بإعلان الحرب على العراق. لكن تلك التعديلات لا يبدو فيها حبل نجاة لبلير اللاهث وراء بوش إلى الحرب بتهور، كما وصفته وزيرة التنمية الدولية في حكومته كلير شورت. فالمؤشرات تؤكد أن بريطانيا والولايات المتحدة مقبلة على خسارة المعركة الدبلوماسية في مجلس الأمن حتى لو جمعت الأصوات اللازمة لتمرير القرار بعد رفض فرنسا وروسيا للتعديلات البريطانية، وتهديدهما باستخدام حق النقض (الفيتو) الذي يقف سداً أمام منح حرب بوش وبلير الشرعية الدولية، ومشنقة أمام مستقبل بلير السياسي وربما بوش أيضاً. وأمام سيف «الفيتو» وانعدام أو تضاؤل فرص تمرير مشروع القرار الجديد رغم تعديلاته المرفوضة فرنسياً وروسياً باعتبارها منطق حرب، عادت الحكومة البريطانية إلى قرار مجلس الأمن 1441 تبحث فيه عن مسوغ قانوني للحرب للالتفاف على «الفيتو» أمام مشروع القرار الجديد، وهي في هذا لا تبحث عن غطاء للحرب فقط، بل تبحث أيضاً عن غطاء يحمي بلير من السقوط.