السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 كتب الفيلسوف الأميركي (رالف والدو إمرسون 1803- 1882) في مقالة له عن السياسة يقول: «إن راديكاليتنا الأميركية مدمرة وغير هادفة، فهي غير محبة، وليست لديها أهداف قدسية وبعيدة المدى، إنما تنبع تدميريتها من الكراهية والأنانية في الجانب الآخر»، تلك هي حقيقة أدركها مفكر وفيلسوف عاش نشأة الجمهورية وكان من الأوائل الذين راقبوا تطور القوانين والديمقراطية في الولايات المتحدة، وعندما يقول في آخر مقال له قبل وفاته ذلك فان الحقيقة تبدو مفزعة خاصة مع التصدير والتسويق الأميركي للديمقراطية. والديمقراطية هي الكلمة السحرية التي يعتقد الأميركيون انهم يفتحون بها الأبواب المغلقة ويبررون بها كل توجهاتهم الاستعمارية التي أخذت أشكالا متعددة، والواقع ان الشخصية الأميركية مبنية فعلا على الكره فهي منذ استعمار القارة الأميركية وطرد السكان الأصليين لم تعرف وجها لعملتها سوى وجه المحارب، وانشأت استراتيجيتها على أساس ان هناك دائما (آخر) عليها مواجهته والتصدي له، وعمقت مفهوما إفتراضيا ينص على انها المكان الأوحد للديمقراطية ولذا وقع العالم برمته في شركها وشرك ديمقراطيتها. لكن الديمقراطية الأميركية فقدت شروطها الديمقراطية عندما تملكتها النزعة الإنفرادية وذلك ماأدركه صموئيل هنتنغتون صاحب (صدام الحضارات) بعد ان انتهى من صدامه الحضاري مع الديمقراطية الديكتاتورية الأميركية وكتب بعد ذلك مقالا في فصلية الشئون الخارجية عام 1997 تحت عنوان(تآكل المصالح الأميركية) تنبأ فيه بـ «ان أميركا لن تنجو بعد زوال ايديولوجيتها وستنضم للاتحاد السوفييتي على كومة نفايات التاريخ»، ولعل هنتنغتون تأمل جيدا في ماقاله ميخائيل غورباتشوف للأميركيين: «نحن نقوم بأمر مروع لكم، فنحن نحرمكم من عدو». والباحث في تاريخ نشوء الإستراتيجية الأميركية سيجد انها وضعت على يد (جورج كينان) عام 1947، وهو العام الذي شهد بروز عالم الكتلتين أو القطبين، بمعنى ان الاستراتيجية الأميركية بنت هيكلها على أساس وجود عدو، ولذا نجد أنه عندما سقط هذا العدو فقدت توازنها الاستراتيجي واصبحت تفتقد بشدة لوجود أى بلد أو تهديد ضدها يمكن أن يقنعها بالوقوف خصما أمامه، لقد بحثت الولايات المتحدة عن مبررات أو أهداف لاستخدام قوتها للقيام بدورها في قيادة العالم ولم تبحث عن قوة لخدمة أهدافها، ومن أجل ذلك سخرت كل الوسائل واستخدمت كل الذرائع بما فيها تصدير الديمقراطية، لكن فرض الديمقراطية قسرا هو بحد ذاته ديكتاتورية. ونظرة الى السلوك الذي يسم الدول التي تتصارع على ساحة مجلس الأمن، وهي تقسم نفسها جبرا الى معسكرين: الأول يحاول الحفاظ على مكاسب عالم مابعد الحرب العالمية الثانية وبمعنى آخر على السلام المكتسب بفعل التشريع الدولي الذي خلق حالة من النظام الدولي، وبين معسكر يحاول فرض السيادة واسقاط مفهوم يعتبره قديما ليخلق عالما آخر جديدا بمفاهيمه هو، وبين المعسكرين تتراوح الديمقرطية بين معنيين حقيقي يريد ان يجد لنفسه مكانا في الواقع، وزائف يريد ان يكتم الاحساس بالحرية الطبيعية لكل ذي سيادة، إذا نزعنا فكرة ان الجدار الأورو ـ آسيوي يتصرف بمنطق ديمقراطي حق. وقد نلاحظ تبادل الأدوار فأوروبا وآسيا أو (أوراسيا) كما يسميها بريجينسكي كانت في فترة مابين الحربين تقوم على فلسفة «الإنسان ذئب لأخيه» وكانت أميركا تتخذ فلسفة السلام، أما اليوم فأن العقل وفلسفة السلام هي التي تقود المعسكر الأوراسي وتركت ذئبية الإنسان للدول التي استفاقت شهوتها الاستعمارية، إنه صراع بين ممارسة حقيقية للديمقراطية وبين تكريس زائف لها. لقد شغلت أوراسيا استراتيجيي أميركا منذ قرن لأهميتها الجيوبوليتيكية، وساعد التحول البنيوي في الشئون الدولية أميركا على البروز كقوة غير أوراسية ليس بصفة المتحكم الرئيسي في علاقات القوة الأوراسية فحسب وإنما بصفة القوة العظمى التي حملها للاعلى سقوط الاتحاد السوفييتي لتصبح الأوحد، ولذا فهي تتشبث بالهيمنة المكتسبة بواقع تحطم ميزان القوى. ان التحول الذي أصاب العالم بعد أكثر من عقد من الزمان على قيادة الولايات المتحدة العالم هو تحول فكري وليس عمليا وهو الذي دفع دولة ذات مبدأ وفكر كفرنسا على الوقوف ضد الصعود السريع نحو الهاوية إن شئنا القول، وبالمقابل نجد ان الولايات المتحدة وبريطانيا وحتى اسبانيا تخلت عن القيم الأخلاقية بتخليها عن الشرعية وإجبار الدول على القبول بمشروعها السيادي متجاوزة سيادة الدول المجبرة على الخضوع للارادة الأميركية. ولعلنا لانخطيء بالقول إن العدو الحقيقي للولايات المتحدة وأصحاب المصالح هو السلام، وهو نفسه العدو الأوحد لاسرائيل، وليس غريبا الربط إذا مانظرنا الى أن أميركا وبريطانيا هما اللتان أقامتا دولة إسرائيل وفرضتاها على الجسد العربي ومازالتا تدعمانها، ونرى ان الحرب والصدام مع عدو أمر مؤسس في التفكير الأميركي والاسرائيلي معا وهو باعتقاد صناع سياستهما يحمل على التماسك بين مختلف المواطنين ولذا بنيت سياساتهما على ضرورة قيادة حرب في كل مرة تجد هذه السياسة نفسها في مأزق، ولعلنا نعرف جميعا انه مامن رئيس أميركي تولى وغادر دون أن يقود حربا، والحرب هذه المرة لم تخرج عن الإطار العام للتوجه الاستراتيجي الأميركي، فان من أولويات اميركا بعد انتهاء الحرب الباردة كانت عدم السماح بالظهور لأي متحد أوراسي قادر على السيطرة على آوروبا وآسيا وبالتالي قادر على تحدي أميركا. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن القول ان الولايات المتحدة قد حققت سيادتها على العالم فعلا، وهل يمكن لهذه السيادة أن تصمد في وجه القوة الأوراسية التي تصعد من جديد والتي شكلت بالتأكيد قوة قادرة على تحدي أميركا، وإذا ماحصل الصدام هذه المرة بين القوى الكبرى فأي أهداف ستتبع أميركا، وهل تستطيع ان تسوق الديمقراطية من جديد بعد ان صارت ديمقراطيتها ديكتاتورية ممجوجة؟