الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 عبث ألا نتفاءل ونحلم بكل ما أوتينا من شبق الحياة. فالحياة بلا أمل يصعب ان تعاش.. وكما يقول الامام الشافعي «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج». فالذين يتفاءلون ويقاسون القهر واليأس يحق لهم أن يأملوا في النصر والحياة ولابد للظلم والعدوان أن ينجلي مهما طال أمده. في الأمل والتفاؤل علاج لكثير من المشكلات وتنفيس عن كبت وتفريج عن قهر واقع واستبداد كريه. بعض فلاسفة السخرية يرون أن الحياة مأساة لابد من ملهاة معها لنحتملها. فليس ما نعيش اخر المطاف. وفي التاريخ أسباب للأمل.. لكن الذين لم يقرأوه أو يستوعبو دروسه وجهلوا به.. لا يحق لهم أن يقاوموا ويقاتلوا حتى يأملوا في النصر.. وينتظروا من يأتي اليهم لينزع من الوجدان والعقول «ثقافة المقاومة» وليس استعمارهم والهيمنة عليهم فقط ( راجع كلمات السيد بوش الابن الأخيرة ). كل الأمم تنال من تاريخها ما ينفعها بل تستحضره بذات تفاصيله ما دام يحقق لها ما تصبوا إليه.. إلا نحن يا مولاي..! رغم تاريخ طويل من موروث الكفاح والنضال. مستعمرون وغزاة وجبابرة جاءوا بجحافل جيوشهم منذ آلاف السنين ـ وما زالوا ـ وكانت تلك الأرض مقبرة لهم على الدوام. في لحظات الضعف والهوان والاضمحلال تكالبوا علينا كالاكلة على قصعتها.. وفي لحظات التوحد والحشد والقوة تكون لنا الغلبة وتكتب بدمائنا نهايات امبراطوريات عتيدة. تاريخنا الاسلامي يذكرنا بهزيمة اقوى امبراطوريتين على وجه الأرض.. الفرس والروم ويخبرنا بـ «القادسية» و«اليرموك» و«أجنادين» وبقادة من أمثال سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد. في التاريخ القديم في مصر تفككت البلاد وتصارع حكام الاقاليم وحلت الفوضى فوقعت البلاد فريسة في أيدي الغزاة «الهكسوس» في العام 1570 قبل الميلاد.. احتلوا شمالها ووسطها.. وتمتعوا بقوة عسكرية جبارة بمعايير ذلك الزمان فقد استخدموا العجلات الحربية التي تجرها الخيول والسيوف والأقواس البعيدة المدى تماما مثل «الشبح» والـ «بي 52 و.. «ام القنابل» و«التوماهوك».. الغطرسة العسكرية دفعت بملك الهكسوس في الشمال الى ان يحذر امراء طيبة في الجنوب بأن «يسكتوا أفراس النهر في طيبة لأن ضجيجها يحرمني النوم نهاري وليلي وأصواتها تطن في مسامع مدينتي». نفس التهديدات والحجج.. ! وإنما بكلمات أخرى..! لم ييأس المصريون وقاموا وخاضوا المعارك ضد الهكسوس.. توحدوا وقاتلوا وقادهم «أحمس» ـ مؤسس الدولة المصرية الحديثة ـ الى النصر والقضاء على اسطورة الهكسوس وقوتهم العسكرية. يعاود التاريخ سيرته.. يأتي المغول.. تلك الامبراطورية التي امتدت من كوريا شرقا وحتى بلاد فارس «ايران» غربا حين مات جنكيز خان في عام 1227 وتوسعت من بعده حتى بولندا والمجر.. مارسوا أبشع أساليب القتل والفتك.. في عهد هولاكو اخضعوا بغداد وقضوا على الخلافة العباسية.. خربوا كل شيء.. حتى بلغ عدد الضحايا 800 ألف قتيل.. تصوروا..!! اجتاحوا المنطقة العربية في لحظات الانكسار والتفكك.. حتى الذين استسلموا لهم حباً في السلامة والهوان لم ينجوا من مذابحهم. يرسل هولاكو الى سيف الدين قطز في مصر يطلب منه الاستسلام والخضوع. يدعو قطر امراء المسلمين والعرب الى «قمة» ليشاورهم.. وفي البيان الختامي للقمة صاح فيهم «من اختار الجهاد فليصحبني ومن لم يختر ذلك فليرجع الى بيته فان الله مطلع عليه وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين». وكان لكلمته مفعول السحر فيهم. خلع امراء المسلمين جميعاً رداء العجز والوهن ووقفوا جميعا في وجه الغزاة وكان النصر في عين جالوت في عام 1260 ميلادية.. المؤرخ الانجليزي ستيفن رينسمان يقول «ان عين جالوت من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ.. أنقذت الاسلام، فلو دخل المغول مصر لما تبقى للمسلمين في العالم دولة كبيرة». في «حطين».. وبعد 150 عاماً من قدوم الصليبيين ومن التشتت العربي والاسلامي يوحد صلاح الدين الأيوبي العرب في مصر وسوريا ويحقق انتصاراً مدويا في عام 1187 ويعيد بيت المقدس.. من بعده ينتصر السلطان خليل بن قلاوون والظاهر بيبرس على الحملات الصليبية المتتالية من عام 1189 وحتى 1270. وفي الزمن الحديث والمعاصر كانت حرب السويس 1956 شاهداً رسمياً على نهاية النفوذ البريطاني وأفول الامبراطورية التي لم تغب عنها الشمس وسقوط انتوني ايدن رئيس الوزراء البريطاني.. وكانت لحظة مازالت ماثلة في الأذهان حتى خرجت الشعوب العربية جميعا تقاوم بكل ما تملك عدوانا ظن انه منتصر لا محالة. وفي أكتوبر 1973 استرجع العرب بعضا من القوة فكانت لهم الحياة. رغم احساس القهر والانكسار والانسحاق الذي نعيشه الآن.. فلابد من التفاؤل والأمل ليس فينا ولكن في القادمين من بعدنا الذين سيجمعون الساعد ويكتبون سورة العائد وسيحافظون على مُلك كالرجال بكيناه نحن كالنساء وتكسرنا كقطع من فخار لأننا لم نقاوم حتى يئسنا فلم يحق لنا الأمل في الحياة والنصر. أيها القادمون من بعدنا تفاءلوا.. واقرأوا التاريخ.. تصحّوا وتنتصروا.