الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 قد تكون السياسة الإسرائيلية مقسومة بين رأي يميل للقسوة المطلقة الذي تمثله أجهزة الدفاع وبعض التيارات المشاركة في الحكومة، وآخر يميل للقسوة المحسوبة التي يمثلها بطريقته العنيفة رئيس الوزراء شارون، ولكن تحت كل الحالات ووسط أجواء الحرب حول العراق يزداد الخط الإسرائيلي الأكثر استعداداً لاستخدام القوة تأثيراً، ولكن الخط الاسرائيلي الأكثر استناداً إلى الحسابات السياسية هو الآخر لديه عناصر عليه التعامل معها. بل يمكن القول إن معظم ما تقوم به إسرائيل في ظل حكومة شارون الراهنة محسوب سياسياً ومدروس في نتائجه. بالمحصلة الخطان يدعمان بعضهما البعض ويسيران في الطريق ذاته. فرؤية الحسابات التي يمثلها شارون وتمثلها أوساط سياسية عديدة داخل وخارج الليكود تسعى لعدم إحراج السياسة الأميركية بشكل شامل، وتسعى بالوقت نفسه لإبقاء العلاقة الأميركية الإسرائيلية قوية وإيجابية ومتوازية. بل يزداد الطرف الداعي لحساب كل الخطوات وعياً بما قد تؤول إليه الأوضاع في إسرائيل لو تحولت السياسة الإسرائيلية لسياسة تخرب على المسار الأميركي. فهذا يفتح المجال لخلافات أميركية إسرائيلية لا تبدو الآن على السطح ولكنها قائمة تحت الرماد. العلاقة الأميركية الإسرائيلية اكتسبت الكثير من الأبعاد بعد الحادي عشر من سبتمبر. فهي نجحت في ظل تكتيكات شارون في استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر لربط الإرهاب الذي وقع في نيويورك بالعمليات الانتحارية في فلسطين. وفي هذا حقق شارون الكثير من الفوائد، إذ حقق دعماً سياسياً أكبر ودعماً أمنياً أشمل في وقت تمر الولايات المتحدة كدولة كبرى بلحظة تاريخية حرجة. ومن المعروف ان لإسرائيل الكثير من الأصدقاء في هذه الإدارة. ولكن باللغة نفسها يمكن القول متى لم تتمتع إسرائيل بالكثير من الصداقات في الإدارات الأميركية المختلفة؟ وبينما تجاوز شارون على مدى عام كامل بعض الخطوط الحمراء الأميركية بما فيها اجتياحه الشامل للضفة الغربية، إلا أن الولايات المتحدة تحملت تجاوزاته وذلك لحاجتها لإسرائيل في حملتها الداخلية بالتحديد لإقناع الكونغرس والشعب الأميركي بضرورة الحرب على العراق. كما أن حاجة الرئيس الماسة لحلفاء أقوياء ولديهم قدرات استراتيجية ونووية ورادعة تدفع الإدارة الأميركية للتمسك بإسرائيل ودعمها. ففي هذا الإطار تنظر الولايات المتحدة لإسرائيل كحليف ثابت ومستقر يمكن الاعتماد عليه في الحرب الدائرة حول «الإرهاب» والعراق. كما أن وقوف الكثير من دول العالم في خانة النقد والرفض للكثير من المواقف الأميركية يجعل الولايات المتحدة أكثر تمسكاً بحلفائها: بريطانيا ثم اسرائيل واسبانيا وغيرها. وقد نجح شارون في استمالة القطاع الأكبر من الإسرائيليين ممن شعروا بالخوف الأمني بعد تزايد العمليات الفلسطينية وتهديدها للأمن الاسرائيلي المركزي. هذا الخوف أصبح الأداة الرئيسية المقوية لشارون والمؤدية لتمرير الكثير من سياساته التصعيدية. بل ان طبيعة تجمع الليكود تقوم على الظروف التي تساهم بإشعار الإسرائيليين بالخوف وعدم الاطمئنان على مستقبلهم. وتستمر السياسة الإسرائيلية الراهنة في محاولاتها تدمير بنية السلطة الفلسطينية، ومحاولة التملص من اتفاقات أوسلو، ولكنها قبل كل شيء تسعى لتحقيق وضع في الضفة الغربية وغزة يصعب من خلاله بناء الدولة الفلسطينية في المستقبل ويوصل السكان لحالة من اليأس. ويحاول شارون ان يفرض شروطه من خلال مزيد من الضربات والعنف والاغتيالات والاحتلال. العنف الإسرائيلي يهدف الى ايجاد وقائع جديدة. ولكن ذات العنف يعيش في سباق مع الزمن، وفي سباق مع الحملة الأميركية على العراق، وذلك لمعرفته ان نتائج تلك الحملة قد تدفع الولايات المتحدة مرة ثانية للاهتمام ومن مواقع القوة والنفوذ المتجدد الى معالجة القضية الفلسطينية. في هذا تستعد اسرائيل لمرحلة قد تختلف توجهاتها في بعض الجوانب الحيوية مع توجهات الإدارة الأميركية خاصة إذا ما طلبت الإدارة من اسرائيل مساومات حقيقية. وهذا يتطلب مزيدا من الاستيطان ومزيداً من أخذ الاراضي، ومزيدا من الانتشار وذلك لتكون المساومات المطروحة في المرحلة المقبلة أقل عمقا وأكثر فائدة للمصالح الإسرائيلية. ان الوضع العربي يمر بواحدة من أصعب مراحله، كما ان القضية الفلسطينية تراجعت الى حد كبير في اجندة السياسة الدولية والاقليمية، وذلك امام التسخين اليومي للحرب في العراق. ولكن هذا الوضع مؤشر لطبيعة المرحلة، ولطبيعة المخاطر التي تكتنف القضية الفلسطينية ولطبيعة الحسابات السياسية التي يطبقها شارون وحكومته. بالمحصلة أمام وضع كهذا من الضروري العمل على كل صعيد للتحضير للمرحلة المقبلة والاستعداد لما هو قادم بعد الحرب، وهذا يتطلب على الصعيد الفلسطيني، أولا عدم السماح لشارون باستغلال الحرب لتنفيذ مزيد من التدمير، كما يتطلب ضبطاً كبيرا للنفس وسعيا لاعادة تقييم وسائل النضال، بما في ذلك التوصل لنوع من التفاهم بين جميع المنظمات الفلسطينية الرئيسية على طريقة العمل في هذه المرحلة. انها مرحلة تتطلب ايضا التهيؤ على صعيد المؤسسات السياسية والإدارية والاستحقاقات التي ستأتي بعد التغير في العراق. ان التفكر بما هو قادم جزء من المعادلة، إذ لا يعقل ان يكون شارون يتهيأ على كل صعيد للمرحلة المقبلة، بينما لا يتهيأ الوضع الفلسطيني والعربي لها. ان بناء سياسات تقوم على حسابات دقيقة وفهم أدق لموازين القوى وللتغيرات الجديدة، هو مدخل اساسي للتعامل مع حسابات شارون وتوجهاته في هذه المرحلة. ـ أستاذ جامعي ومحلل سياسي