الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 جرت العادة منذ إنشاء السلطة الفلسطينية حتى هذه اللحظة التي نشهد تداعياتها، المطالبة بقضية بناء المؤسسات الفلسطينية، على أساس من العدالة وتكافؤ الفرص وما إلى غير ذلك من مطالب، بعضها محق والآخر مغرض. وقس على ذلك جملة المطالب الحزبية والفئوية والشللية والنزعات الفردية وما إلى ذلك من توصيفات ما أنزل الله بها من سلطان حتى بات الواقع، أو على الأصح المشهد السياسي - الاجتماعي الفلسطيني، هذه المرة وكأنه مصح بحاجة إلى لجان إغاثة إسعافية من الخارج بعد تفشي الأمراض المستعصية فيه على الشفاء، إما لفقدان المعالج أو لعدم توفر العلاج، لكن النتيجة على ما يبدو واحدة، وهي وصفات الإصلاح، أو راشيتات الإصلاح الجاهزة القادمة من خلف الحدود. لكن بصرف النظر عن توصيف الحالة وتداعياتها، وبصرف النظر أيضاً عن قضية الإصلاح ومن وراءها، لا بد لنا من الاعتراف أن الإصلاح حاجة سياسية - اجتماعية، إدارية لا يمكننا القفز عنها أو التغاضي عنها، بمعزل عن الحالة الصراعية القائمة على الأرض، إن لم نقل أن العملية الإصلاحية هي لتجديد شباب الانتفاضة - المقاومة، التي غالياً ما تنمو على جسدها وفي ظل صيرورتها - المقاومة - الكثير من الشوائب وحتى الأدران، التي يصفها البعض بمستفيدي الحرب أو تجارها أو سماسرتها، والتسميات كثيرة في لغتنا العربية فحدث ولا حرج. بمعنى أكثر دقة، أن الحركات الوطنية الشبيهة بالواقع الفلسطيني، تحتاج في كل مرحلة مفصلية، أو انتقالية والقضية واحدة، إلى مراجعة نقدية ترتكز إلى روح المسئولية الوطنية العالية والرفيعة البعيدة عن الاستئثار والملاصقة للإيثار على أقل تقدير، من أجل وضع اليد على الاخفاقات قبل النجاحات ليتسنى للقائمين على هذا العمل وضع الخطط والآليات الكفيلة لرسم الاستراتيجيات الملائمة للمرحلة الحالية بالنظر إلى رسم المستقبل المستند إلى حاضنة معافاة ولو بعض الشيء من الأمراض التي تحدثنا عنها في مستهل حديثنا. عملية توافقية لكن السؤال، المفصل، ما معنى عملية الإصلاح؟ وماذا تحتاج منا هذه العملية؟ علاوة على الحاجة للإصلاح، فالإصلاح عملية تطوير لكافة المؤسسات السلطوية الإدارية، بما يتوافق مع عملية تحديث وتطوير القوانين الناظمة التي لا تقف عند حد من الحدود كما يشيع البعض، وبما يتوافق مع الأهداف الوطنية العامة، ويلبي الطموحات الوطنية المشروعة بالنسبة للشعب الفلسطيني، على عكس ما جرت العادة في السنوات الماضية، أن نطرح الإصلاح انطلاقاً من توضيب حالتنا السياسية - الإدارية، الأمنية، قياساً بما هو مطلوب منا، بقدر ما يجب أن ننطلق بهذه العملية قدماً لجهة حاجاتنا الماسة التي تحتاج إلى اتخاذ خطوات إصلاحية. وهنا يصبح الإصلاح فلسطينياً وغير فلسطيني نهجاً دائماً، ليس بهدف إدارة الأزمات التي نعيشها بل بهدف البناء والتجدد والديمومة، للخروج من كل الأزمات التي يعيشها مجتمعنا الفلسطيني القابع تحت نير الاحتلال، كما الإصلاح عند دولنا العربية بهدف الحفاظ على المواطنة، والابتعاد على الصراعات الداخلية المنذر بها كما هو الحال في عراق اليوم، مع كل أسف. أما بالنسبة للشق الثاني من التساؤل، فثمة جملة من النقاط التي تحتاجها العملية الإصلاحية، والتي تتلخص في: أولاً: إن العملية الإصلاحية ليست قراراً فردياً لتبرئة ذمة الحاكم باعتبار ذلك منّة من الحاكم للمحكومين، كما العفو العام عن سجناء الرأي على سبيل المثال، أو سجناء الجنح وما شاكل ذلك، والتي غالباً ما تكثر في المناسبات الشخصية للحاكم مثل اعتلاء سدة الحكم أو عيد الاستقلال إلى غير ذلك من اليافطات العريضة، بقدر ما هي عملية اجتماعية تطال الحاكم والمحكوم في آن معاً، ومن خلال سيادة القانون الناظم لحركة المجتمع بكل فئاته وشرائحه وقواه السياسية والاجتماعية. بمعنى أن العملية الإصلاحية تحتاج إلى تضافر جميع الجهود المخلصة، على اعتبار أن الإصلاح لا يأتي بقرار سياسي من القمة إلى القاعدة، بقدر ما هو تلبية لحاجات القاعدة العريضة التي يقوم عليها المجتمع، وأن هذه العملية تحتاج إلى إرادة توافقية وليس إلى قرارات استنفارية كما جرت العادة وما تزال تجري، خاصة عند الأطراف أو الدول المكشوفة للعلن مثل العراق المحاصر وفلسطين المحتلة من أقصاها إلى أدناها. غياب الرؤية ثانياً: العملية الإصلاحية ترضخ في آلياتها إلى حالة من الصيرورة وليس إلى الشروط الخارجية أو الاملاءات المفروضة من الخارج بسبب ضعف الداخل، وهنا لعل التبشير بتعيين رئيس وزراء فلسطيني تحت عنوان الإصلاح، ليس حلاً وإن بدا الأمر بموافقة حزب السلطة عن هذا التعيين، بغض النظر عن الشخص المطروح، لأن قضية الإصلاح ليست بالأساس قضية شخصية، بل هي قضية اجتماعية عامة، وقد تكون بعض خطوات الإصلاح المطروحة أكثر خطورة من الوضع القائم الذي يحتاج للإصلاح، لأن المشكلة القائمة فيما بين القوى منذ إعلان قيام السلطة الفلسطينية في اختزال التمثيل بحزب السلطة وملحقاته دون غيره، الأمر الذي خلق حالة من التنافس الحاد بين مجموع القوى السياسية والاجتماعية المكونة للمجتمع الفلسطيني. بمعنى أن القضية ليست متوقفة عند شخص «أبو مازن» وتعيينه رئيساً للوزراء الفلسطيني، بقدر ما القضية متعلقة بالآلية التي يجب أن تتبع، إن كانت داخل مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية أو في المنظمة، أعني المجلس المركزي، وأن الضرورة للخروج من المأزق تقتضي التوافق على انتخابات عامة لكل المؤسسات التشريعية ومن ثم تنتخب المؤسسة التنفيذية من داخل المؤسسة التشريعية، ودون ذلك فسنبقى بذات دائرة النار وستبقى قضية الإصلاح شماعة على مستوى الداخل نتيجة التنافس على الدور والتمثيل، ومن الخارج الإسرائيلي الذي يحاول ابتزاز السلطة بهذه القضية، بهدف التنصل من التزاماته،ليتسنى له فرض شروطه الجديدة، بسبب الواقع العربي المتردي هذه الأيام. وهنا لا بد من القول إن شرعنة المؤسسة الفلسطينية من خلال القاعدة الجماهيرية وممثليها يفوت الفرصة على مخططات شارون، ويقوي من البيان الثلاثي الفرنسي - الروسي - الألماني، الذي أقر للعلن بأنه دون حل قضية الصراع العربي - الإسرائيلي من خلال خطة الطريق التي أقرتها اللجنة الرباعية لا يمكن بناء سلام دائم وشامل في المنطقة. وهنا أيضاً قد يستغرب، أو يتساءل البعض، بأنه في ظل الحصار الخانق والقتل والتدمير، والحراب الاحتلالية المسلطة، كيف يمكننا عقد مثل هذه الانتخابات؟ فالإجابة على ما يبدو على مثل هذه التساؤلات أو الاستغراب والاستهجان الذي يبديه البعض ليست عسيرة، خاصة وأننا ندرك أن حواراً لا يزال مفتوحاً بين كافة القوى السياسية الفلسطينية، وأنه إذا ما توفرت النية الصادقة في الحوار على أساس إنجاح الإصلاح، فقد تكون القضية برمتها راهناً عملية توافقية بين كافة القوى الرئيسية المشكلة للخارطة السياسية الفلسطينية بما تمثل من بعد اجتماعي، ومن ثم تكون هذه العملية التوافقية خطوة مرحلية إلى المراحل التي تليها، دون أن نسقط أن الخطوة التوافقية من شأنها أن تحدد الأهداف السياسية الفلسطينية، لأن جزءا من نجاحات شارون في تدمير الشعب الفلسطيني وبناه التحتية، يكمن في غياب الاستراتيجية الفلسطينية من جهة وغياب البرنامج السياسي المرحلي من جهة أخرى، إن كان لجهة استمرار الانتفاضة والمقاومة أو لجهة العودة إلى التفاوض، وقد تكون عملية حيفا وما رافقها من تنديد وإدانة في ذات اللحظة من قبل السلطة لهي دليل قاطع على أن الفلسطينيين حتى هذه اللحظة لم يتوصلوا إلى برنامج سياسي من شأنه أن يرد على العدوان من جهة وعلى التساؤلات الخارجية المفروضة بشكليها الإقليمي والدولي. لكن السؤال الأكثر إيلاماً: إلى متى سنبقى نتعامل بالضد سلطة أو قوى أو أحزاب، حتى ونحن نطرح قضية الإصلاح؟ ـ كاتب فلسطيني