الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 إنها الطلقة الاستهلالية التي طال الانتظار لسماعها. لا أعني الحرب الاميركية المحتملة على العراق.. وانما اعني الثورة الشعبية في الولايات المتحدة ضد اليهود. الطلقة جاءت من عضو في الكونغرس الاميركي. فقد اعلن جيمس موران العضو «الديمقراطي» في مجلس النواب ان اليهود الاميركيين مسئولون عن دفع الولايات المتحدة نحو الحرب مع العراق. والى ان اطلق موران هذه الطلقة كان ولا يزال من بين حقائق الحياة اليومية في المجتمع الاميركي اعتبار ان مثل هذا القول كفر.. يتعرض قائله الى خطرين في آن معاً: استهجان جماهيري ومساءلة قانونية قد تنتهي الى حكم بالسجن. اذن فإن المغزى الذي يمكن استخلاصه من تجرؤ سياسي اميركي على خرق تقاليد وقوانين «معاداة السامية» السائدة في الولايات المتحدة هو ان هذا الرجل ادرك بحسه السياسي انه يعبر عن مشاعر متنامية ضد اليهود بين عشرات الملايين من الفئات الجماهيرية للشعب الاميركي. لقد قال النائب الاميركي موران ايضاً: «لولا المساندة القوية للطائفة اليهودية لهذه الحرب ضد العراق لما كنا فعلنا ذلك».. أي لما اندفعت اميركا نحو الحرب. وقال «ان قادة الطائفة اليهودية بمقدورهم منع الحرب اذا ارادوا ذلك». وعلى الفور، وبطبيعة الحال، هبت المنظمات اليهودية الاميركية لانتقاد هذا البرلماني الجريء وبطبيعة الحال ايضاً فإن رجال ادارة بوش سارعوا الى تأييد الاحتجاج اليهودي. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: هل نشهد الآن بوادر ثورة شعبية ضد النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة؟ ربما يكون الوقت مبكراً لطرح هذا التساؤل. لكن هناك شيئ واحد مؤكد على الاقل وهو ان تفجيرات سبتمبر طرحت سؤالاً الحاحياً داخل اميركا وهو: لماذا يستقصدون اميركا بالذات؟ وهذا السؤال هو الذي فتح الباب للتساؤل عن ارتهان السياسة الدولية الاميركية الى اسرائيل وامنها وبقائها. ان الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده حتى الآن كانت مسارحها كلها خارج الاراضي الاميركية لقد تدخلت اميركا في الفصل الاخير للحرب العالمية الثانية ضد المانيا الهتلرية واليابان وبعد ذلك اشعلت حرباً في شبه الجزيرة الكورية لمنع تحولها الى عضو في المعسكر الاشتراكي السوفييتي.. وشنت حرباً طويلة المدى على فيتنام.. وبعد ذلك جاءت خلال عقد التسعينيات كل من حرب الخليج ضد العراق وحرب البلقان ضد يوغسلافيا ميلوسيفيتش جرت كل هذه الحروب دون ان تكون الاراضي الاميركية مسرحاً لأي منها وجاءت تفجيرات سبتمبر 2001 لتكون اول «حرب» داخل أميركا نفسها والصدمة العظيمة المذهلة التي احدثها هذا الهجوم الزلزالي في قلب واشنطن ونيويورك هو الذي جعل الشارع الاميركي اخيراً يتساءل: لماذا؟ الاجابات التي قدمتها الاجهزة الاميركية الرسمية لتعليل هجوم سبتمبر 2001 لم تقنع الشارع الاميركي فكل تعليل لا يفلح الا في افراز سؤال جديد. يقول رجال ادارة بوش ان مسئولية الهجوم تقع على عاتق منظمات ارهابية، وما هي هذه المنظمات؟ انها منظمات التطرف في العالم الاسلامي. هنا يتوقف رجل الشارع العادي في الولايات المتحدة ليطرح تساؤلاً تتحاشى اجهزة الادارة الاميركية طرحه: لماذا تستهدفنا نحن تحديداً منظمات التطرف الاسلامي؟ ومن هذا السؤال يتفرع سؤال: لماذا يكرهنا العالم الاسلامي؟ ويتخذ السؤال رويدا شكلا اكثر تحديداً: لماذا يكرهنا العرب؟ هذا هو نوع الاسئلة الخطيرة التي تقود بالتسلسل المنطقي، حلقة وراء حلقة، الى اسرائيل واليهود ليكون الاستخلاص شيئاً من هذا القبيل: لماذا تتحمل اميركا عبء الوجود الاسرائيلي في العالم العربي؟ ولماذا يتحمل الاميركيون تبعة اغتصاب اسرائيل لأرض شعب عربي مسلم؟ ولماذا يدفع الشعب الاميركي الثمن، خاصة عندما يتحول هذا الثمن من مجرد مال وسلاح على حساب دافع الضرائب الاميركي الى دم اميركي يسفح داخل الارض الاميركية؟ وعندما ينهض سياسي اميركي مرموق على مستوى برلماني ليعلن على رؤوس الاشهاد الاميركيين ان يهود اميركا هم المسئولون عن دفع الادارة الاميركية نحو مغامرة حربية جديدة ضد دولة عربية اسلامية فلأنه يعكس بذلك تساؤلات خطيرة تدور في الشارع الاميركي. هجوم النائب الاميركي جيمس موران على يهود اميركا لم يأت اذن من فراغ. انه الصيغة الجهرية لما يدور في شتى المنتديات الاميركية اليوم بشأن النفوذ اليهودي وخطورته على مستقبل الامة الاميركية وأمنها ومصالحها الحيوية. وربما يكون هذا مؤشرا اولياً لدخول اميركا عهد «معاداة السامية» على المستوى الشعبي.