الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 في وقت الأزمات يتكشف الكامن من قصور في الأفراد والمجتمعات، والأزمة حين تستحكم ترفع الغطاء عن ما كان مخبأ في أوقات الركون إلى الراحة، وإذا كانت الأزمات، في حقيقتها تنتج عن تناقض المصالح المتعارضة للأفراد أو المجتمعات، فإن الأزمة الحالية التي يعيشها العالم نتيجة تعامله مع «الحالة العراقية» نتجت عن مزيج من أزمات كانت تعيشها مجتمعات مختلفة على وجه الأرض بعد فترة من التشكك في حقيقة نتائج التغير الذي طرأ على توازن القوى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتشتته، ولكن كشفت عنها أو ساعدت على كشفها أزمات بعض الأفراد من السياسيين الذين تناقضت مصالحهم وتطلعاتهم مع مصالح وتطلعات غيرهم من الأفراد من السياسيين أيضا.ولم تكن مسألة «أسلحة الدمار الشامل» في العراق سوى الشماعة التي حاول البعض أن يعلق عليها «آماله» في الخروج من أزمته الخاصة. الأزمة الحالية التي تهدد بعواقب لا يعلمها أحد، لأنها حسب بعض المحللين ستفوق كل تصور ممكن، والتي يسميها البعض «أزمة أسلحة الدمار الشامل في العراق»، فيما يسميها البعض الآخر «أزمة مواجهة الإرهاب»، هي في الحقيقة يمكن تسميتها «أزمة جورج دبليو بوش» مع نفسه، ومع من وضعوه في منصبه ليكون واجهتهم السياسية لتحقيق أهدافهم الخاصة، ثم سرعان ما أضيفت إليها أزمات شخصية لسياسيين آخرين، لم يكن هناك لهم من مخرج من أزمتهم سوى استغلال تطلع الرئيس الأميركي لتصدير أزمته إلى الخارج ليتخففوا من أزماتهم الخاصة في عدم قدرتهم على الاستمرار في تحقيق طموحاتهم التي أعلنوها لأنفسهم. ومن هنا تمت إضافة «أزمة شارون» وتطلعاته في أن يكون السياسي الصهيوني الذي حقق تصفية القضية الفلسطينية برغم كونه أقل السياسيين الصهاينة قدرة على تكوين رؤية سياسية خاصة به، لكن وجد في أزمة الرئيس الأميركي فرصة استغلها للتعلق بأذياله، وتحقيق ما كان مستعصيا عليه تحقيقه في ظروف سياسية طبيعية. تضاف إلى هاتين الأزمتين «أزمة أزنار»، رئيس وزراء إسبانيا الحالي، الذي جاء إلى الحكم في بلاده عام 1996 موصوما بافتقاده إلى «الشخصية» القيادية وبريقها، مما جعله يختار طريق البحث عن مواقف بارزة يؤكد بها ذلك البريق المفتقد في شخصيته بأية طريقة، وفي ظل أي ظروف، بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه الآخرون، بما فيه الثمن الذي يمكن أن يدفعه الشعب الإسباني برمته، المهم أن يتفوق على الذين قللوا من شأنه ويثبت لهم خطأ أحكامهم، وهو ما فصلناه في مقال سابق في هذا المكان. أزمات مضافة أضيفت هاتان الأزمتان إلى أزمة جورج دبليو بوش فأنتجتا ما يسيمونه الآن ب«أزمة أسلحة الدمار الشامل في العراق»، وبفضل انضمام شارون وأزنار بأزمتيهما إلى أزمة بوش الابن تطورت الأمور وأصبحت تهدد أمن واستقرار العالم بكامله، خاصة بعد أن ذهب الرئيس الأميركي إلى ابعد مما كان يتصور أي محلل سياسي متعقل يفهم قواعد اللعبة السياسية، ويعرف الهامش المسموح لأي سياسي بالتحرك فيه لتحقيق طموحاته الشخصية أو مصالح القوى التي يمثلها، أو حتى طموحات بلاده الوطنية في إطار مشهد عام تتشابك فيه العلاقات والمصالح دون أن يعرض هذا المشهد الكلي للخطر. عندما وصل الرئيس جورج دبليو بوش توقع الكثيرون أن يقضي فترة رئاسته الاولى، على الاقل، فيما يشبه التلميذ الذي يفتقد إلى الشخصية والخبرة برغم إحاطة نفسه بمستشارين ذوي خبرة واسعة، لأن طريقة نجاحه في تلك الانتخابات، إضافة إلى ما أحاط بحياته الشخصية قبيل احترافه السياسة، عكست ظلالا كثيفة من الشك على قدرته في ملء المنصب الذي احتله، والذي يعتبر أخطر منصب على وجه الكرة الأرضية، أنه منصب رئيس أكبر قوة عالمية في الظروف الراهنة. ما كان للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أن يترك من ارث له قيمة تذكر بعد انقضاء فترة وجوده في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، وكانت كل الدلائل تشير إلى هذا حتى بعد اتخاذه قراراته الأولى كرئيس للولايات المتحدة، وحتى بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر لم يتوقع أحد أن يكون على مستوى المسئولية الكبرى التي وقعت على عاتقه في تلك اللحظات الرهيبة، التي شكلت ما يمكن تسميته «ما قبل وبعد»، وهو حد فاصل كان يمكنه، في رأي الكثيرين من المراقبين، أن يكون نقطة «مضيئة» في حياة العالم لو أن الجالس في البيت الأبيض لم يكن «جورج دبليو بوش»، لأن ذلك التاريخ برغم كل ما أنتج من آثار سلبية وكانت له انعكاسات رهيبة على الشعب الأميركي، إلا أنه كان يمكن التعامل معه بحكمة واتزان لخلق وضع مختلف في العالم تقود فيه الولايات المتحدة الأمم التي سلمت لها قيادها، وبشكل خاص الأمم الغربية، لإرساء قواعد نظام عالمي جديد قائم على التوازن بين المصالح الوطنية بين جميع أمم العالم، وما كان لأي قوة في الأرض أن تجادلها في أسس وقواعد هذا النظام الجديد. لكن بما أن السياسة الخارجية الأميركية قامت دائما على أساس تحقيق مصالح وطموحات خاصة بمنطق «الكاوبوي»، أي بمنطق القوة، فقد استغلت بعض القوى الداخلية المحيطة بالرئيس الأميركي مكونات شخصيته ونقاط ضعفه لتحقيق مصالحها الخارجية على حساب مصالح بلادها كقوة كبرى، وذلك من خلال تصور أن القوة العسكرية الهائلة التي تتمتع بها القوة المسلحة الأولى التي لا نظير لها في أي مكان من اليابسة في العالم يمكنها أن تفرض الهيمنة الكاملة على كل الأرض من أقصاها إلى أقصاها، واستغلت في ذلك النزعة الدينية التي تسيطر على جورج دبليو بوش كمبشر بالمسيحية الوليدة التي تمتد جذورها في الكثير من جنبات تلك الدولة العظمى منذ زمن بعيد؟، وكانت تنتظر اللحظة المناسبة لتتمدد إلى خارج الحدود وتفرض رؤيتها الخاصة للعالم حتى في الدول المسيحية «القديمة». الرؤية التوراتية بدا هذا واضحا منذ اللحظات الأولى لأحداث نيويورك وواشنطن، وربما سبقتها محاولات أخرى استغلت أحداثا شبه مماثلة، كما حدث في «أوكلاهوما» قبلها بسنوات قليلة لتأكيد الرؤية التبشيرية بالمسيحية الجديدة المتفوقة على كل أديان الأرض، حتى المسيحية «الفاتيكانية» والمذاهب الأخرى المسيحية المستقرة في أوروبا الغربية. من هنا بدأ الحديث منذ اللحظات الأولى لأحداث 11 سبتمبر عن «صدام الحضارات»، واتهام جماعات عربية أو إسلامية بتنفيذ هذا الفعل الرهيب قبل أن يكون هناك دليل مادي واحد، أو سيطرة «الصليبية» في لغة المحيطين بالرئيس الأميركي ومخططي ومنفذي سياسة الولايات المتحدة الآن. لم يكن هؤلاء في حاجة إلى إقناع جورج دبليو بوش بالحديث بلغتهم «الإنجيلية»، لأنه في الحقيقة كان مستعدا لها، فهو في نظر نفسه كان يمثل «العاصي التائب» بعد تجربته من حياة الخمر والنساء في شبابه، والتي وصلت به إلى حد الإدمان والضياع لولا بعض رجال الدين المسيحي الذين تولوا أمره، ويحمل في قلبه جميلا خاصا لمن أخرجوه من تلك الحالة ووضعوه على طريق أبيه وأخوته في غابة السياسة الأميركية، وهو يؤكد في كل مناسبة على هذا العرفان بالجميل، وهو عرفان غطى على وعيه وأعمى بصره وبصيرته، حتى أصبح لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم إلا بما يسرون له به. إن جملا وكلمات مثل: «الله مرشد الحياة والتاريخ»، و«الحرية التي حبانا بها الله العظيم القادر»، و«خضوعي لقدرة المسيح»، و«الله معنا يرشدنا ويقوينا»، لم تكن في حاجة إلى تأثير من مستشارين، لأنها كانت لغة جورج دبليو بوش قبل وصوله إلى البيت الابيض، وسرعان ما تحولت إلى شعاراته المفضلة بعد أحداث 11 سبتمبر التي قرر أن يستغلها ليؤكد وجوده كرئيس مشكوك في قدرته. ثم سمعنا بعدها اللغة القاطعة النافية المؤكدة والتي لا تقبل الوسطية التي تحكم رؤيته للعالم والتاريخ والسياسة، فسمعنا منه تعبيرات على شاكلة: «الله معنا ضد من يريدون تدميرنا»، و«أن الله مرشدنا وحامينا في كل لحظة»، أو «إن لم تكن معنا فأنت ضدنا»، وهي لغة مرفوضة في قاموس النظم السياسية الديمقراطية، لأنها لا تعنى سوى الرأي الواحد، وتتنافى مع التعددية التي يجب أن يؤمن بها كل ديمقراطي، ثم سرعان ما انتشر تعبيره حول «محور الشر»، والتي تكشف عن تطبيقه لرؤيته «التوراتية» للسياسة، وهي رؤية لا يجب أن تسود في التعامل الدولي، لأنها ليست سوى لغة يمكن استخدامها في المعبد والكنيسة. بل أن استخدام تعبير مثل «محور الشر» لم يأت عفو الخاطر ودون تفكير، هذا التعبير كان مقصودا في البداية ليصم كلا من ايران والعراق معا ويتهمهما بالعداء للغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، ويقول الكاتب البريطاني «مارتن آميز» في مقال له نشرته الصحافة قبل أيام، أن هذا التعبير كان في البداية «محور الكراهية» ولكن المحيطين بجورج بوش وجدوا أن إعلان ايران والعراق وهما دولتان مسلمتان سيثير حساسية لدى العرب والمسلمين وقد يكشف عن النية الحقيقية التي يضمرها لهم الرئيس الاميركي، ومن هنا تقرر ضم «كوريا الشمالية» إلى هذا المحور ذرا للرماد في العيون، وتحول التعبير ليكون «محور الشر» وان كان هذا التعبير نفسه وبشكله الحالي يكشف حقيقة تفكير الادارة الاميركية التي ورثت عن ادارة الرئيس السابق رونالد ريجان تعبيرا مماثلا وهو «امبراطورية الشر» والذي كان يعني به أيضا معنى دينيا. صراع مختلف جورج دبليو بوش لا يعرف التفكير السياسي الرزين، بل ينطلق في أفعاله من قناعات زرعها بعض المتعصبين المسيحيين في الحزب الجمهوري، واستغلوا انسياقه لهم تحت تأثير عرفانه بجميل القس الذي أنقذه من «إدمان الخمر» وقاده إلى طريق «الفضيلة»، ولذلك فإن أحد دوافعه في التعامل مع العراق قناعته الشخصية بالانتقام من صدام حسين لأنه، حسب اعتقاده، مسئول عن محاولة اغتيال الرئيس الأب جورج بوش، ومثل هذا التفكير قد يصلح في التعامل بين رعاة البقر لأنه يتفق مع عقيدتهم، ولكنه لا يتفق وعرف السياسة الدولية. شارون في محاولته الخروج من أزمته الشخصية استغل هذه النزعة الدينية المتطرفة في شخصية جورج دبليو بوش أيضا، وأحاطه بعدد من اليهود الذين زرعوا في عقيدته أن اكتمال الرؤية الدينية المسيحية بعودة المسيح إلى الأرض، وإقامة العدالة لن يكون إلا باكتمال قيام «دولة إسرائيل» وتحققها بالشكل التوراتي الذي يؤمن به اليهود، ومن هنا نشأت عقيدة منح الدعم الكامل لمشروع دولة إسرائيل في إدارة الرئيس جورج بوش تحقيقا للنبوءة الثانية. أما دافع رئيس الوزراء الإسباني «خوسيه ماريا ازنار» فإنه في الحقيقة لا يقل عن دافع شارون، وتدينه كسياسي يميني «كاثوليكي» لا يقل عن توجهات جورج دبليو بوش الدينية، واندفاعه نحو تحقيق مصالحه الخاصة باستغلال أزمة بوش ساعد على الدخول بأزمة العراق إلى هذا الطريق المسدود الذي لا رجعة منه، على الرغم من أن اللقاء الأول بينهما لم يكن حميما كما يعتقد البعض، بل نظر الرئيس الأميركي إلى رئيس الوزراء الإسباني نظرة السيد للتابع، وقبل أزنار موقعه هذا لأنه قد يحقق له طموحه في قمة «مدريد 2» التي يحلم بها لبحث مشكلة الشرق الأوسط ولو شكليا، حتى لو كان ثمن هذا الحلم تهاوي شعبية حزبه وخسارته للانتخابات المقبلة. الصراع الآن يدور في عقل بوش وشارون وأزنار في إطار «صراع الخير والشر»، لأنها تتعامل مع الأزمة العراقية من منطلق ديني أصولي، بينما عقول الجنرالات المنوط بهم قيادة هذه الحرب لا تزال تبحث إمكانية تحقيق النصر فيها بأسرع طريقة وبأقل خسائر، وهو ما لا يستطيع أحد أن يتنبأ به. يصلي بوش وشارون وازنار كل حسب معتقده الشخصي، وكل يطلب العون من الله لتحقيق أحلامه، ولكن الحرب التي لها قواعد أخرى قد تأتي بنتائج غير تلك التي تشبع بها كل منهم نفسيا، لأن عقولهم جميعا غابت تحت سحابة كثيفة من التطرف في المعتقد. ـ كاتب مصري