الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 ضمن مجموعة الكتب التأسيسية التي تجيب عن اسئلة القاريء حول بعض المسائل الشرعية يأتي كتاب (الكبائر) لشمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي (673 ـ 748ه)، كواحد من اكثر الكتب رواجا وتداولا بين جمهور القراء نظرا لبحثه في كبائر الذنوب التي نهى عنها الاسلام وتعريفه بأنواع العقوبات التي اعدها للمجترئين على الخطوط الحمراء، السائرين في الاتجاه المعاكس للطريق الذي أمر الله به. ورغم اهمية كتاب (الكبائر) في تعريف المسلم بالافعال المحرمة شرعا، الا انه لا يتجاوز في مجمله اكثر من كونه يقدم جرعة تعليمية للعقل المسلم لا تغطي الا جزءا يسيرا من انواع الجرعات المعرفية المركزة التي يحتاج اليها القاريء ليتمكن من استيعاب دروس الثقافة الاسلامية التي غطت موضوعات بالغة الاهمية وعالجت آلاف القضايا برؤية شاملة، وتناول موضوعي يثري عقل القاريء، ويربطه بقضايا مجتمعة، ويدله على افضل الطرق للمشاركة الايجابية والتعاون المدروس الذي يحفظ الجهد من التبدد والضياع، ويثري الحياة العملية بالخبرة العلمية والنماذج السلوكية الراقية. ان الجمع بين الاصالة والمعاصرة هو الحصاد الطبيعي للجهد المعرفي المبذول، وانتفاء القدرة على تحقيق هذا المطلب العلمي يعني الخروج من دائرة التأثير، والفشل في تكوين قاعدة ثقافية صحيحة تقدم الانسان الى مجتمعه بشكل لائق وتجبر الآخرين على احترامه بعد ان اثبت قدرته على السياحة الهادفة بين شتى انواع الكتب، واكد فاعليته كقاريء يعرف مواصفات القراءة الجادة، ويتقن فنون ومهارات التواصل مع الكلمة المكتوبة مما يحرره من أسر الافكار الجزئية ويحفظ عليه تفاعله الحي مع الكلمة بيقظة تامة وذهن حاضر، الأمر الذي يرشحه ليكون معلما لغيره، ونموذجا على الوعي والايجابية الفكرية والسلوكية. والصواب ان الكلمة المسئولة لن تخذل صاحبها يوما، وان ممارسة الطقوس الصحيحة للقراءة الى جانب النهج الموضوعي في مطالعة الكتب كفيلان بانجاح الصلة ما بين القاريء والكتاب، وكما ان الكلمة المسئولة لن تخذل كاتبها يوما فهي كذلك لن تخذل قارئها ولن تخيب رجاءه وأمله فيها. وما لم يكن القاريء عارفا بخطورة دور الكلمة في صياغة افكاره، والتأثير على شخصيته فانه لن يستطيع ان يضيف الى رصيده الكثير من الافكار والمفاهيم التي هو بأمس الحاجة الى الوقوف عليها. وما طوابير قرّاء كتب المواعظ والرقائق الذين الفوا قراءة هذه الموضوعات الا فئة من المحرومين من مصادر التغذية العقلية الشاملة، وقد اخطأوا من حيث ظنوا الصواب، وجهلوا من حيث ادعوا العلم، وانغلقوا من حيث ظنوا انهم رموز الانفتاح على الافكار الخلاقة حين انكفأوا على تلك الكتب يدرسونها دون غيرها من المؤلفات التي تبحث في موضوعات الثقافة والمعرفة التي تعالج قضايا الفرد والجماعة. وكم جنت العواطف على اصحابها! وكم حالت بينهم وبين التفكير العميق والتوازن، وكم اقصتهم عن دائرة الفعل والتأثير نتيجة الجهل والانغلاق، والاتكاء على العواطف لتبرير العجز وانطفاء الفاعلية، ولتلميع صورة اصحابها الذين اعتقدوا ان حسن النوايا كفيل بوضعهم فوق النقد والمساءلة عن سبب النحت والتآكل في منظومة الافكار التي يملكون. طوق النجاة اذن من السير في الطريق المعاكس اثناء السياحة بين الاوراق والتجوال بين الكتب ان تتنوع ثقافة القراء وفقا لمعايير الجودة العلمية والامانة المنهجية. فاذا ما توفر ذلك البعد في اي نوع من الاصدارات ينبغي احترام كتابها، والتعامل معهم وفقا لقواعد القراءة الجادة، وتلبية لمطالب العقل الباحث عن الحكمة والراغب في التطور والنمو