الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 اقتحمت لغة الاعلام، وكلامنا بعامة، لفظة «المشادّة» التي اطلقت على المشهد المؤسف الذي كاد يعصف بالقمة العربية في شرم الشيخ، وكأنما كانت «الشدائد» التي نكابدها ناقصة تلك «المشادة» المفاجئة. لكن، على أي حال، فان «المشادة» ليست غريبة عن «الشدائد»، فهما من أسرة واحدة أو أصل واحد، هو الفعل «شد، يشُد» الذي يستعمل بمعان عدة: يقال: شد الصديق عضد صديقه، وشد أزره، وشد على يده، وشد عزائمه، و شد ملكه، وكل ذلك بمعنى: قواه وأيده وأعانه، ومن ذلك في القرآن الكريم: «قال سنشد عضدك بأخيك»، و«اشدد به أزري»، و«شددنا ملكه» وفي الأمثال: «يحلب بنيّ وأشد على يديه»، ويقال في التعبير عن نسبة الأعمال الى غير فاعليها. ويقال: شد الرجل الحبل ونحوه، بمعنى جذبه ومده، ومن ذلك: «شد وأرخى» أي تشدد ولان. ويقال: شد الفارس وثاق جواده، أي قيده وربطه. وشد الجنود الأسير، أي أوثقوه وقيدوه. وفي القرآن الكريم: «فشدوا الوثاق». ويقال: شد الرجل عقدة الحبل، أي أحكمها وأوثقها، ويكنى بذلك أحيانا عن الحنكة والحزم واحكام العمل، كما في قول الشاعر الحطيئة مادحاً: أولئك قوم ان بنوا أحسنوا البنا وان عاهدوا أوفوا وان عقدوا شدوا ويقال: «شد الرحال»، كناية عن التهيؤ للسفر، و«شد مئزره»، كناية عن الجد والاجتهاد في العمل او العبادة. و«شد الزمام» بمعنى: تحكم في الأمر. و«شد الانتباه» أي جذب النظر وأثار الاهتمام. ويقال: «شد الجيش على الأعداء»، أي حمل عليهم بقوة. و«شد على قلبه» أي ختم، كما في الآية الكريمة: «واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا». و«شد على يد ضيفه» أي صافحه بحرارة. وهناك الفعل شد يشِد «بكسر الشين»، ويستعمل في معان عدة: يقال: «شد الشيء» «الشيء فاعل مرفوع» بمعنى قوي ومتن، وكذلك بمعنى ثقل الشيء. ويقال: «شد اللاعب» أي عدا وركض. و«شد النهار» أي ارتفع. والمصدر شد «بفتح الشين»، ومعناه وقت ارتفاع النهار، ومن ذلك قولهم: «أتانا فلان في شد النهار، أو شد النهار» أي وقت ارتفاع النهار. ويزاد الفعل بالألف، فنقول: «شادَّ الرجل خصمه» «بتشديد الدال»، أي غالبه. و«المشادة» هي المغالبة والمعركة، ومن ذلك: «المشادة الكلامية»، أي الملاسنة، والمغالبة بالكلام والجدال. ويزاد الفعل بالتضعيف، فتقول: «شدد الشيء» بمعنى قواه وأحكمه. و«شدد العقوبة» أي ضاعفها. و«شدد على أبنائه» أي قسا عليهم. و«شدد حرفا» في الكلمة أي ضعفه وأدغمه، كما في: شدّ، ومدّ، وفرّ، ومرّ. ويزاد الفعل بالألف والتاء، فنقول: «اشتد» و يستعمل في عدة معان: نقول: «اشتد عود الفتى أو ساعده»، بمعنى قوي، كما في قول الشاعر الذي سار مثلا: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني ونقول: «اشتد النهار»، اي علا وارتفعت شمسه. و«اشتدت الأسعار»، أي ارتفعت وغلت. و «اشتد اللبن ونحوه»، اي اخذ يتماسك ويتجبن. و«اشتد مرضه»، و«اشتد الزحام»، و«اشتد عليه الأمر»، اي زاد وثقل وصعب، كما في المثل القائل: «اشتدي أزمة، تنفرجي». ونقول: «اشتد في عدوه»، أي أسرع، ومن ذلك المثل القائل: «هذا أوان الشد، فاشتدي زيم»، ومعناه: لقد اشتدت الأزمة فهيا أيتها الفرس «زيم» تقوي وتجلدي وانطلقي بي لمواجهة الشدائد. أما الأسماء المشتقة فكثيرة، من أبرزها وأكثرها استعمالا «الشديد» وجمعه «شداد وأشداء»، وهو القوي، وفي الحديث الشريف: «ليس الشديد بالصرعة، انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». و«الشديد» كذلك هو الصعب الثقيل شديد الوطأة، كما في قول الشاعر: اذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد ومؤنث «شديد»: «شديدة». وجمعها «شديدات وشدائد»، وهي الأزمات والمحن والمصائب، من مثل ما يحدث بنا الآن وتكابده الأمة ليل نهار في كل مكان.