الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 ليس أخطر على المعاني والحقيقة من المبالغات والأحكام المطلقة، والانجراف إلى التعميم الذي يخلط ما بين المذنب والبريء، ويطمس الفروق، ويغرقنا في متاهات، تقلب كل الحالات والأوضاع، وتسوي ما بين الجبناء والشجعان، أصحاب الإرادة الحرة، والآخرين فاقدي الحس المرتهنة ذواتهم فاقدي الإرادة طواعية وقهراً. لكن لماذا الخوف من المبالغات والتعميم والخلط، طالما ان مسيرة حياتنا تجري على ايقاع زمن حبوب الشجاعة «المغشوشة» التي تمنح المشبعة روحه بكل ألوان الخسة والنذالة صفة شجاع، وتجرِّد المملوء وجدانه بدوافع العزة والإباء من كل قيمة أخلاقية وتنبذه مهمشاً محاصراً مكمماً فاه لاخراس صوته وضمه للموتى الأحياء حاملي نعوشهم في زمن الموت دون إشهار! الخوف طبيعي، وهو جنين الدهشة لمفارقة واقعنا لميراثنا وتراثنا الحافل بكل القيم الانسانية من شجاعة وعزة وإباء واغاثة للملهوف، ومسارعة لايواء من يلجأ الينا مستغيثاً، ناهيك عن النزوع العربي البدوي الطبيعي لاستهجان أي لون من أطياف الخسة والغدر والمخاتلة وذم من يرضى لأهله وشرفه الدنس والاهانة وتجريده من شرف الانتماء للقبيلة. الخوف طبيعي والدهشة فعل غائب فاعله في واقع معتم، جُرِّد العربي من ميراثه الأخلاقي، إلا قليلاً، حتى لا نقع في جرم ننتقد فاعليه! وإلا بماذا نفسر حالة الخواء والصمت غير النبيل، وحتى الضجة المفتعلة، عن شارعنا العربي المسدود أفقه، رغم اهتراء مساره وانفتاح كل جوانبه على الفراغ المضجر القاتل للبهجة المعادي لأدنى اشارة على قول يصدر عن عقل واع، شارع يمجد قاتل أبنائه ويهتف لسجانه ونخاسه معاً؟! بماذا نفسر ما آل إليه حالنا، وكيف تحولنا إلى كائنات «مسخ» تشاهد جنازتها على شاشة التلفزيون بذهن شارد ووعي غائب وبلادة متناهية وكأنها لا يعنيها من أمرها سوى جانب التسلية بتعذيب الذات، أو كأنها باتت غارقة في أوجاع «المازوحية» وبحاجة لادخالها مصحة نفسية شرط أن تكون باتساع وطن؟! بماذا نفسر ظاهرة انحسار مشاعر الغضب التلقائي والانتفاضات تحت وطأة لدغات الاهانات لشرف الأمة، وتجفيف منابع النبل والخير، بعد أن فاضت «مجاري» الفساد وزكمت رائحتها الأنوف، وصار للفساد قاموسه «المغشوش» وتعاويذه الجهنمية التي تغسل سمعة وأسماء الفاسدين قبل أموالهم القذرة، سواء جاءت من جباية أو رشوة أو سرقة ونهب، وتنصِّبهم قيادات للاصلاح السياسي؟! لماذا نفسر هبة اثنين من الدبلوماسيين الأميركيين واستقالتهما من عملهما احتجاجاً أخلاقياً على حرب لا أخلاقية لرئيسهما جورج بوش، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على دمغهما بتهمة الخيانة والعمالة إلى آخر كلمات قاموس «قمعستان العربي»؟! بماذا نفسر هبة وزيرة بريطانية في وجه رئيس حكومتها، وسلخه بلسان نقد لاذع «وتجريسه» مثلما كان يتم تجريس «الغشاش» من التجار والباعة، أيام كان يقوم على ميزان العدل في الشارع العربي محتسب، وقبل أن يسرقه منه غلمان الفساد؟! بماذا نفسر ثرثرة مثقفينا.. مثل طنين الذباب، لا معنى لها ولا قيمة منها ترتجى سوى امتاع وتسلية جوقة متبلدة أو خداع حشود متلهفة على كلمة حق، لكنها فقدت الأمل من طول وقوعها في أفخاخ المتاجرين بأحلامها، أولئك الذين أهدروا كل فرص نهوضها.. لكن الى حين، ونصبح جميعاً على وطن مشرعة أعلامه منكسة رؤوس أعدائه.