الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 لا شك أنك رأيت في أفلام أميركية كثيرة والحاجب يجعل الشاهد يقسم أن يقول الحقيقة. وربما رأيت ذلك في أفلام مصرية. وربما سمعت واحدا ـ وخاصة من الفلاحين ـ وهو يقسم قائلا: والله لا أقول الحق! مستغلا تشابه الحروف، وقصده التحلل من قول الحقيقة، وظنه أن هذا يجوز اذا قاله في القسم! ولكن ما رأيك لو أن الحاجب أو من يقوم مقامه يقدم لك كتابك المقدس ويطلب منك أن تقسم على أن تزيف شهادتك! صحنا جميعا بأن هذا اليوم لن يأتي أبدا. وأن هناك مجموعة من الثوابت في حياة البشر لا يمكن أن تتغير، وان صفات الأمانة والصدق والشجاعة والكرم والتسامح والاثرة من الصفات المطلوبة أيا كان المجتمع.. وفي أي عصر من عصوره ومهما كان الدين الذي يؤمن به. وحكى أحد الموجودين قصة جوليوس فوتشيك أحد أدباء تشيكوسلوفاكيا قبل انقسامها الى دولتين، فلقد سقط بين أيدي النازي وعرفوا انه احد رجال المقاومة، وكانوا يريدون معرفة أسماء المقاومين، ووضعوا «فوتشيك» تحت تعذيب هائل لشهور طويلة حتى مات نتيجة هذا التعذيب، رغم أنه كان ملحدا. لكنه كان يؤمن بالتأكيد بالأمانة وأن الخيانة لا تليق بالإنسان. وتحدثنا عن مجتمعات وثنية كانت شديدة التمسك بالاخلاق. وأظن أن «اثينا» الوثنية كانت أول من تكلمت في علم الاخلاق. والوصايا الفرعونية الاخلاقية مطابقة تماما للوصايا العشر التي جاءت في التوراة. وربما كان الهنود الحمر ـ ومعظم مصادرنا عنهم السينما الأميركية ـ من أكثر شعوب الأرض شجاعة وتمسكا بالوعود، رغم وثنيتهم. وقال حكيم من حكماء الجلسة بهدوء فظيع: إذا ذهبت الى الاسكيمو وكنت في ضيافة واحد منهم، فلابد أن يقدم لك ما لا يقدمه أي مضيف آخر. فأنت لست في حاجة لكوب من العصير لأنه سيتجمد فورا. وحتى كوب من الشاي الساخن لا قيمة كبيرة له في جو تقل فيه درجة الحرارة عن خمسين تحت الصفر. ولذلك فهو يدفع زوجته لتنام إلى جوارك. ولا تقرأ هذا الكلام بالخيال الشرقي الذي يبدأ من النصف الأسفل وينتهي به، فالمقصد أن تحس بالدفء. ويكون هذا قمة الكرم! أضاف صاحبنا أن الاخلاق ضرورة حياتية، ولأن الحياة تتغير فمن الممكن ان تتغير الاخلاق وأن تصل الى ما قلناه في صدر هذا الحديث: انه من الصفات التي يتوجب أن يتحلى بها الإنسان: الكذب، والخيانة، والانانية.. وغير ذلك من الصفات المذمومة حاليا.. وسابقا. وأثناء هذا الحديث الذي دار بين مجموعة من المثقفين تذكرت قصة حدثت لي بين الطفولة والصبا، وإذا فكرت في كتابة مذكراتي ـ وأنا أحيانا أفكر في هذا ـ قررت أن أخرجها مما سأحكيه لأنني أشعر بخجل شديد منها. ذلك انني وجدت كل الأولاد حولي يتحدثون عن «عظمة» الغش! وكان «الوجيه» ـ وهو ليس اسمه بل اللقب الذي أطلقناه عليه لأناقته ـ يقضي نصف وقته في نقل المقررات الدراسية على أوراق صغيرة عرفت فيما بعد باسم «البرشام»، والبرشام هي حبوب الأدوية أو ربما كانت نوعا منها مغلفا بقوة. ولا أدري من أين جاءت كلمة برشام هذه، لكنني وجدتها في المصادر القديمة التي تعود إلى القرن التاسع عشر مكتوبة بالنون.. أي انها «برشان»! وكان «الوجيه» يوزع البرشام أو البرشان على جيوبه، وفي غالب الأمر ينسى أين وضع هذا، فعليه أن يفتش جيوبه كلها قبل أن يعثر على الاجابة المطلوبة. وفي غالب الأمر كان يتم ضبطه قبل ذلك. وفيما بعد قلت للوجيه ان مذاكرة هذه المواد تتطلب مئة ساعة مثلا، أما نقلها على البرشام فيتطلب مئتي ساعة. أي انه يبذل في الغش ضعف الوقت، فلما لا يسعى للجهد الأقل والآمن والمفيد!؟ المهم أنني بعد أن سمعت الأحاديث عن «عظمة» الغش قررت أن انضم الى قافلة الغشاشين الابطال، ونقلت اجابة سؤال صعب على ورقة بحجم الاصبع، مع ما كان في ذلك من صعوبة تذكرك بصعوبة نقل كتاب صيني على حبة أرز! وكنت محظوظا ان وجدت السؤال بين الاسئلة المطلوب الإجابة عليها. وفكرت في أن أمد يدي الى جيبي بحثا عن الاجابة، ولكن العرق بللني. فأجلت ذلك الى كتابة بداية الاجابة فلقد كانت حاضرة في ذهني. ولم أكن أدرك ساعتها انني عندما نقلت الاجابة من الكتاب الى البرشام كنت قد ذاكرت الاجابة واستوعبتها. ووجدتني أجيب اجابة طيبة. وخرجت لأمزق ورقة البرشام. وكانت المرة الوحيدة في حياتي. لم أكن آنئذ صاحب موقف من «الغش» بل لم أكن أصدق أن هذا غش. وربما لم أكن أعرف معنى الكلمة بالضبط. ومع ذ لك رفض داخلي أن أفعل ذلك. وهكذا ترى انني كنت في صف المؤمنين بأن الاخلاق لا تتغير، وانها ستظل قانون الإنسانية عبر العصور وإلى الأبد. لكن سبحان من له الدوام، فلقد تغير رأيي في لحظة. كنت جالسا أمام التلفزيون أرى ما ترون، عندما لفت نظري خبر شاهدته مرات دون أن يلفت النظر. الولايات المتحدة ـ وهل يخلو حديث منها حتى لو حاولنا ـ ارسلت طائرة تجسس الى كوريا الشمالية. اعترضتها الطائرات الكورية. الى هنا والخبر طبيعي. غضبت الولايات المتحدة. ممكن. قررت أن تقدم شكوى! هناك قيمة اخلاقية جديدة تبدأ في العالم: اذا أرادت دولة كبرى ان تتجسس على دولة صغيرة فهذا حقها تماما. واذا اعترضت الدولة الصغيرة على هذا التجسس فلابد من تقديمها الى المحاكمة! كنا نعرف أن الجاسوسية أحط المهن حتى لو كانت أعمالهم في صالحنا. على الأقل كنا ننظر الى الجاسوسية على انها مهنة غير اخلاقية، لكنها صارت منذ الآن مهنة مقدسة اذا كانت من دولة كبرى، والاعتراض من دولة صغرى عيب! وبدأت أفكر في مجموعة القيم الجديدة التي بدأت تتسلل إلينا. فمثلا قيل ان الولايات المتحدة ـ وهكذا تتسلل مرة أخرى الى حديثنا ـ قررت أن تضرب الأنظمة الديكتاتورية، وانها قررت أن تحول البلاد العربية الى مدن فاضلة فيها برلمانات، فضلا عن تحديث الدين الاسلامي بحذف ما يرى الخبراء الاميركيون انه غير صالح، وربما باضافة ما لا نعرف. الى جانب نشر روح الاخاء والتسامح خاصة بين اسرائيل والدول العربية. فمن ضربك على خدك الأيمن أدر له الأيسر. ومن قتل ولدك قدم له ولدك الآخر. ومن انتزع منك مدينتك ادعه الى مدينة جارك! وقالت الولايات المتحدة ـ وهذا هو التسلل الثالث ـ إن حلفاءها من الدول الديكتاتورية محذوفة من شروع المدن الفاضلة، فمجرد الانحياز اليها يعني انها دولة فاضلة. لذلك تصنف الدول الديكتاتورية الى: نظم غاشمة يجب تغييرها اذا كانت ضد الولايات المتحدة، أما اذا كانت معها فهي قوة حديدية في خدمة الأمن العالمي. وفي تلك الليلة التي دار فيها هذا الحديث وما بعده، علمت ان الرئيس بوش قرر نقل مقر اجازاته من كامب ديفيد الى الاسكا، حيث البرد الشديد.. وهناك يحتاج إلى زوجات للتدفئة! لا تقل له مجرد حلم. لدى احساس قوي انه يستحق!