الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 تثير الحرب الأميركية المبيتة ضد العراق مواقف مضطربة ومتباينة في الوسط السياسي الإسرائيلي، فبينما تبدي بعض الأوساط المتطرفة، حماسا كبيرا لهذه الحرب وتحرض عليها ثمة أصوات مهمة، أيضا، تبدي حذرا وقلقا كبيرين تجاه هذه الحرب وتداعياتها. الطرف الأول، وهو السائد، يرى في هذه الحرب «جائزة من السماء» ستؤدي، إلى إضعاف بلد عربي شكل تهديدا لإسرائيل، بحكم قدراته العسكرية والاقتصادية والبشرية وامتداده الجغرافي. وهذا الطرف يتمنى أن تبدأ الحرب بالعراق لتنتهي بتفكيك وتشكيل المنطقة العربية، بما يتلاءم والمصالح الأميركية والاسرائيلية، وبما يحرره من تبعات عملية التسوية والاستفراد بالفلسطينيين لإخضاعهم وفرض الاملاءات الاسرائيلية عليهم نهائيا. أما الطرف الثاني فيعتقد بأن تداعيات الحرب ستضطر إسرائيل إلى مراجعة مواقفها والتجاوب مع الاستراتيجية الأميركية، وفق رؤية الدولتين للرئيس الأميركي جورج بوش، لأن الضغط، بعد الحرب، سيتركز على إسرائيل، لجهة وقف الاستيطان والقبول بخطة خريطة الطرق التي سينجم عنها دولة فلسطينية في العام 2005، لا سيما أن إسرائيل في وضع لا يمكنها فيه أن ترفض طلبات الإدارة الأميركية لأنها بحاجة إلى دعمها وتغطيتها لها من النواحي: السياسية والأمنية والاقتصادية. وطالما أن الطرف الأول واضح في موقفه المتحمس للحرب من المفيد الإطلاع على حيثيات وجهات النظر الأخرى، التي ترتاب أو تتخوف من نتائج هذه الحرب. في هذا الاتجاه مثلا، حذر جدعون ليفي من مسار اللامبالاة والعدوانية التي يعيش فيها المجتمع الإسرائيلي، تجاه الأخر، بقوله: «الولايات المتحدة توشك على شن الحرب على مسافة من بيوتنا إلا أن بلادنا لا تشهد أي نقاش لا حول ضرورة الحرب ولا حول عدالتها. الناس يخرجون للتظاهر في كافة أرجاء المعمورة ضد الحرب، أما إسرائيل الدولة التي قد تتضرر عسكريا وسياسيا أكثر من أغلبية هذه الدول فصم بكم..لا يسأل احد.. حول أخلاقية الحرب التي سيكون ضحاياها أبناء الشعب العراقي ولا حول ازدواجية المعايير الأميركية.. في كل دولة يتحدث سياسيون ضد الحرب أما عندنا فلا.. لا صوت يعتقد أنها لن تخدم السلام والاستقرار وان دوافعها منافقة ومتلونة ومصطنعة؟»(هآرتس 16/2) أما يوئيل ماركوس فطالب الاسرائيليين بالصمت وبترتيب وضعهم مع الفلسطينيين، قائلا:«في حرب الخليج كان لصدام مصلحة بجرنا نحو رد، يحطم التحالف العربي الذي اتحد إلى جانب أميركا ضده..أما الآن فصدام يكافح في سبيل حياته..يتعين علينا الآن أن نتعلم ألا ننجرّ إلى هذه الحرب..فاسم إسرائيل يظهر بما فيه الكفاية في المظاهرات ضد أميركا في العالم، ويجدر بنا أن نبقى في الظل. هذه الحرب ليست حربنا..هناك معارضة دولية للهجوم ومظاهرات عاصفة في العالم. وأهم الصحف والمفكرين يعارضونها..هذا هو الوقت لإسرائيل للانغلاق على نفسها، وألا تثرثر وان تفكر جيدا كيف تتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، والاستعداد للعيش في شرق أوسط جديد، تعلمنا أن رباطة الجأش هي قوة، وفي هذه الحرب علينا أن نتعلم بان السكوت من ذهب». (هآرتس 7/3) وشكك ب. ميخائيل بطبيعة الأهداف التي تكمن وراء الحرب، بقوله:« كلما اقترب اندلاع الحرب يتضح بأن ذريعتها الرسمية هراء مطلق. ليس أسلحة الدمار الشامل، ولا العلاقة مع القاعدة، لا التهديد على الولايات المتحدة، ولا حتى تهديد الجيران.. والتطلع المفاجيء لنشر الديمقراطية يبدو كالنكتة.. بوش هو الدليل الأفضل على أن الديمقراطي مع مسدس كبير لا يختلف جوهريا عن دكتاتور مع مسدس كبير» وبرأيه فإن هدف الحرب الحقيقي يكمن بأنه «في الأول من نوفمبر 2000 قام صدام حسين بعمل ما.. قرر مصيره. فقد طلب من الأمم المتحدة أن تقرر أسعار نفطه باليورو وليس بالدولار.. وكان هذا هو التصدع الأول في حصن الدولار. ومؤشرات الانتقال إلى اليورو، سواء في أوساط الدول المنتجة للنفط أم في أوساط الدول التي تستورده، آخذة في الاتساع..ومنذ بداية العام 2001 انطلقت في الإدارة الأميركية أصوات اقترحت استخدام القوة العسكرية للسيطرة على العراق. ليس لسلب النفط من الشعب العراقي، بل فقط لإعادة سعر البضاعة من اليورو إلى الدولار، والسيطرة على تجارة النفط العراقي..ليس النفط أيها الأغبياء بل عملة النفط. ليس الأخيار ضد الأشرار، بل الدولار ضد اليورو. ليس في سبيل الديمقراطية، بل في سبيل العملوقراطية. (يديعوت أحرونوت 4/3) ومن وجهة نظر عاموس عوز فإن الحرب حتى لو انتهت بالنصر، من شأنها أن تثير اشتعال مشاعر المهانة والذل والكراهية والثأر في أجزاء واسعة من العالم.. يمكنها أن تهز وجود الأنظمة المعتدلة في الشرق الأوسط وخارجه..وأن تضعضع بعض التوازنات العالمية وتشق على نحو خطير معسكر الدول الديمقراطية. أن انهيار المبنى (المتشقق والمتهالك) للشرعية الدولية، للأمم المتحدة ومؤسساتها وللتحالف بين الدول الديمقراطية، سيفيد في نهاية المطاف، قوى العنف والتزمت التي تهدد السلام العالمي بالذات. وفضلا عن ذلك، فانه لا يمكن لأي إنسان أن يتوقع ما الذي سيجري حين يُرفع الغطاء عن العراق. موجة من المشاعر المناهضة لأميركا تتعاظم في هذه الأيام في كل أرجاء العالم، ومعها أيضا موجة العداء الوجداني تجاه إسرائيل: فمن يرى في أميركا تجسد الشيطان الأكبر، يميل إلى أن يرى في إسرائيل الشيطان الأصغر.. (يديعوت أحرونوت 17/2) أما بالنسبة للطموحات الاسرائيلية من انعكاسات الحرب على أوضاع المنطقة فقد قلل ميرون بنفنستي من مغبة التفاؤل إزاء المخططات الأميركية بقوله: «بعضهم يرى في الحرب.. فرصة تقوم في ظلها في البلدان العربية أنظمة ليبرالية ـ ديمقراطية ومعتدلة..ولكن هل حقا مثل هذا «الشرق الأوسط الجديد» سيحل المشاكل، أم سيحدث عدم استقرار يثقل على اسرائيل؟..هل يعتقد أحد ما بأن نظاما بديلا في العراق سيوقّع على اتفاق سلام فوري مع إسرائيل؟ وهل الجماهير التي ستحظى بأنظمة ديمقراطية تتوق للسلام مع إسرائيل؟». (هآرتس 24/10/2002). وأخيرا فإن المحلل الاستراتيجي زئيف شيف، نظر إلى الحرب من عدة زوايا، متسائلا عن امكان فشل الحملة الأميركية، بنتيجة احتمالات عدة أهمها: 1 ـ عدم النجاح في المس بصدام حسين؛ 2 ـ استمرار الحرب إلى ما هو أكثر من المخطط له ما يثير عاصفة في العالم العربي والإسلامي، ويهز الاستقرار في الشرق الأوسط؛ 3 ـ إصابة إسرائيل بسلاح دمار شامل يضطرها لرفض طلب واشنطن عدم الرد والرد الإسرائيلي يؤدي إلى ردود فعل متسلسلة غير متوقعة؛ 4 ـ الجيش التركي يقرر احتلال أجزاء من شمالي العراق لمنع إقامة كيان كردي؛ 5 ـ ازدياد النفوذ الإيراني في العراق؛ 6 ـ الوجود الأميركي في العراق يتواصل، و«الاحتلال المتنور» للعراقيين يغدو كريها».(هآرتس 14/2) ولا شك أن إسرائيل تستعجل الحرب ضد العراق كي تستدعي فوضى عارمة في المنطقة تمكنها من الاستفراد بالشعب الفلسطيني للبطش به وكسر إرادته والتخلص نهائيا من عملية التسوية وتعزيز مكانتها في الاستراتيجية الأميركية وتغيير النظام الإقليمي السائد، ولكن من يضمن أن الفوضى أو الفراغ أو تداعيات الحرب المحتملة ستسير على هذا المنوال كرمى لعيون دعاة الحرب الإسرائيليين، لا سيما في هذه المنطقة الحبلى بالاحتمالات؟! ـ كاتب فلسطيني