الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 من بعد ما اعلنت كوريا الشمالية نيتها تشغيل مفاعلاتها النووية، وعقب تعاظم الحشود الاميركية والبريطانية والاطلسية الرامية الى شن حرب متوقعة ضد العراق، لاهداف متعددة، منها تجريده من كامل اسلحته المحظورة، واثر شروعه بالفعل في تدمير عشرات من صواريخه المسماة (صمود)، باشراف لجان التفتيش الدولية، وهي الصواريخ التي يتجاوز مداها الحد المسموح به من جانب الامم المتحدة، اخذ الحديث عن اسلحة الدمار الشامل، النووية منها والجرثومية والكيميائية، يطفو على السطح ويحتل الصدارة في مختلف اجهزة الاعلام العالمية، بشكل لم يسبق له مثيل في اي وقت مضى. وكما هو معروف، فإن استعمال هذه الاسلحة على نطاق واسع، اذا سمح به، كفيل بأن يضع مستقبل البشرية كلها على كف عفريت، وان يحيل العالم الى يباب وقاع صفصف. ولعلنا جميعاً نذكر ما حل بهيروشيما وناغازاكي عندما ضربتهما القنابل الذرية الاميركية، مما ادى الى استسلام اليابان ورفعها الراية البيضاء. واذا اخذنا في الحسبان التطور الهائل الذي طرأ على هذا النوع من القنابل، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، نستطيع ان نتصور مدى الخراب الذي يمكن ان يحدثه استخدام الاسلحة النووية وغيرها من العتاد العسكري المشابه. فهي قادرة دون ريب على حصد آلاف بل ملايين الارواح، وعلى وضع البشرية على شفا الهاوية وحافة الهلاك، واحالة كل ما بنته يد الحضارة الى سراب وهشيم. ومن اجل ذلك، تعالت الاصوات، ومازالت تتعالى، منادية بحظرها وتدمير ترسانتها في جميع الدول التي تعكف على تطويرها. وقد قامت اميركا وروسيا وبعض الدول الاخرى خلال السنوات الاخيرة بتدمير انواع معينة محدودة منها، ذات خطورة بالغة، وتنفيذاً لاتفاقيات عسكرية خاصة بينها. فهل معنى هذا ان الخواطر هدأت، والغيوم انقشعت، وسحب التهديد تلاشت، وهل زال خطر هذه الاسلحة، واصبح مجرد زوبعة في فنجان، ام ان وضعها بات يشبه وضع مارد محصور في قمقم مغلق من جميع الجهات؟ الجواب طبعاً بالنفي، لأن ما تم اتلافه، يعد بسيطاً جداً، بالمقارنة مع ما لم يتم افناؤه منها. ثم ان الاسلحة المحظورة مسموح بها لدول ومحرمة على اخرى، مما يجعل الاولى في وضع تسلحي افضل من الثانية، متيحاً لها ممارسة الهيمنة والسيادة عليها. وهذا الامر من شأنه ان يثير حفيظة الدول التي يحظر عليها انتاج اسلحة دمار شامل، وان يدفعها بالتالي إلى السعي لامتلاكها وتطويرها، مما يقود إلى توسيع رقعة انتشارها وزيادة الاخطار الهائلة الناجمة عنها. وهنا يحق لنا ان نتساءل: ايهما افضل من اجل مستقبل الانسانية، بقاء الاسلحة المحرمة دولياً محصورة ضمن عدد محدود من الدول، ولاسيما الدول الكبرى، حتى لا يزداد خطرها، ام تعميمها بين جميع البلدان، تحقيقاً لديمقراطية التسلح، وحتى لا يكون لدول حق التسلط على غيرها؟ والجواب على هذا التساؤل، هو ان كلا الاحتمالين غير محمودين، ففي الحالة الاولى، يحمل عدد من الدول عصا السيادة وصولجان الهيمنة ويحاول استغلال دول اخرى وتهديدها. وفي الحالة الثانية، وعندما تكون الاسلحة المدمرة في متناول كل من هب ودب من البلدان، يصبح امن العالم مهدداً بدرجة كبيرة جداً، ولاسيما حينما تتوافر مثل هذه الاسلحة لدول غير ديمقراطية يملك فرد واحدا فيها قرار شن الحرب. وهذا يقودنا إلى موضوع انظمة الطائشين الذين يستطعيون بجرة قلم، ان يحركوا جيوشهم واساطيلهم وان يضرموا وحدهم نيران حروب لا تبقى ولا تذر. وبذلك تصبح اسلحة الدمار الشامل، في ايدي هؤلاء المهووسين، اشد خطراً وأعظم ضرراً. اما في حالة الشورى والديمقراطية، فإن اي حاكم لا يستطيع ان يتصرف حسب هواه، فيشن حرباً عمياء لا ضرورة لها، لأنه يكون مقيداً بموقف البرلمان، وبانتقادات المعارضة، وبرغبات الشعب. وننتقل الآن إلى محطة مهمة في هذا المقال، وتتعلق بموقف العرب من أسلحة الدمار الشامل. فهل علينا السعي إلى إنتاج هذه الأسلحة، فنتعرض للانتقاد وحتى للغزو العسكري من جانب الدول الكبرى؟ أم نتجنب ذلك، فتكون لإسرائيل التي تملك هذه الأسلحة بالفعل، الغلبة والسيادة والهيمنة علينا؟ الأمر، كما يبدو، محيّر، ويبعث على الارتباك، إلا أن من المفيد لنا في هذا المجال، أن نستأنس ببعض ما ورد في كتاب «الأبعاد الفكرية والعلمية ـ التقنية للصراع العربي ـ الاسرائيلي» وهو كتاب صدر مؤخراً في دمشق عن اتحاد الكتاب العرب. ففي فصل «الخيار النووي وبناء قاعدة للبحث العلمي»، يبين مؤلفه وهو الباحث الدكتور خلف محمد الجراد، مدير عام مؤسسة تشرين للصحافة والنشر، أن هناك فريقين من القادة والمفكرين والعلماء، أحدهما يعارض الخيار النووي، لأنه يعني تكاليف مالية باهظة للغاية وتكنولوجيا متقدمة جداً، ناهيك بأن العرب لا يستطيعون ضرب اليهود بالقنابل النووية، بسبب وجود تجمعات كبيرة من العرب تعيش بين ظهرانيهم، كما الحال في القدس وحيفا، وحتى في تل أبيب المجاورة لمدينة حيفا. أما الفريق الآخر، فيرى أن من حق العرب أن يفعلوا، كما فعلت إسرائيل والهند وباكستان، وأن عليهم ألا ينضموا إلى اتفاقيات منع انتشار الأسلحة النووية، لأن هذه الاتفاقيات تعزز أوضاعاً مواتية لمن يمتلك هذه الأسلحة، وتترك الدول التي يُحرّم عليها امتلاكها، في حالة من الضعف والخضوع. ولا يخفي الدكتور الجراد تأييده للفريق الثاني، مبيناً أن الأمن القومي العربي لا يتحقق إلا عن طريق امتلاك القوة الذاتية الرادعة، أو قوة الردع الدفاعية. وهو ينصح بأن يسير العرب في الغابة العالمية بقدمين، قدم تساعد على تدمير الأسلحة شديدة الفاعلية، بما فيها النووية، شريطة أن تكون هناك مساواة ومعيار واحد في التعامل، وقدم ثانية تتجه نحو امتلاك الرادع القادر على توقيع العقاب. وهذا يعني في رأيه ضرورة تطوير الجهود الذاتية العربية في مجال الاستخدامات المتعددة للذرة والطاقة النووية وابحاث الليزر والعلوم المتصلة بالحواسيب والالكترونيات. ونحن نعتقد ان افضل حل لاشكالية اسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الاوسط هو تأييد المطالبة بتدميرها ومنع انتشارها على ان يشمل هذا جميع دول المنطقة ولاسيما اسرائيل التي تجاهر بترسانتها النووية، دون ان ينالها اي عقاب دولي، اما في حالة استثناء اسرائيل من الحظر، فانه يصبح من حق العرب ان يلجأوا الى حماية امنهم القومي ببناء قاعدة لترسانة اسلحة متطورة وهذا ينسجم مع رأي الدكتور خلف الجراد. ـ كاتب سوري